الكورد عامل استقرار

التنوع واختلاف الأمزجة والمشارب، وتعدد الاتجاهات والمذاهب، من الظواهر الطبیعیة التي تلازم المجتمع الإنساني ولا تفارقه، فلا مجتمع من دون تعدد أو تنوع. بل الفرد، وهو أصغر خلیة فیه،

الكورد عامل استقرار

التنوع واختلاف الأمزجة والمشارب، وتعدد الاتجاهات والمذاهب، من الظواهر الطبیعیة التي تلازم المجتمع الإنساني ولا تفارقه، فلا مجتمع من دون تعدد أو تنوع. بل الفرد، وهو أصغر خلیة فیه، لا یخلو من نزعات متعددة تؤثر في سلوكه.

وتختلف مكونات التنوع من المجتمعات تبعاً لهیكلیتها. فالعراق مثلاً متعدد القومیات والأديان ومتنوع في المذاهب والاتجاهات. ولأن عناصر التنوع لهذه المكونات یشكّل كل منها بحد ذاته قوة مستقلة من حیث التكوین والتاریخ ونعني بها العرب شیعة وسنة، والسنة العرب والكورد، فإن السیاسة التي تحكم هذا البلد یجب أن تجعل التنوع عامل اعتبار واحترام یجعل كل مكون متساویاً مع الآخر. لا یبقی فیه أي أثر لاستعلاء مكون علی آخر في جمیع المجالات. وبدون هذه السیاسة المتوازنة یصعب الاستقرار السیاسي أو الاجتماعي فیه إن لم یتعذر.

ومن حسن حظ العراق أن التنوع الهیكلي فیه إیجابی، بمعنی أن العلاقات التي تربط بین مكوناته المختلفة تؤسس للتعاون والاستقرار، وتعمیق المودة والعیش المشترك، ولا تنسجم مع التضارب والفوضی. فمنذ تشكیل العراق یسود الشعار الشعبي المعروف (الأخوة العربیة - الكوردیة) بصیغ مختلفة. ولم یكن هذا الشعار مجرد انعكاس لظرف تاریخی یؤكد متانة العلاقة العربیة الكوردیة كما وقع في الأيام التاریخیة التي اعترف فیها العراق كله بحقوق الشعب الكوردي في اتفاقیة آذار 1970، فأصبح هذا الشعار عنوان الأناشید الوطنیة، یردده الشباب العربي والكوردي تعزیزاً للتلاحم الوطني والشراكة من دون انتقاص من دور أحد.

ولا ننسی أن الشراكة التي تجسدت في مفردات اتفاقیة آذار هي التي كانت نصاً دستوریاً في عهد الزعیم الوطني عبد الكريم قاسم «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن». والحقیقة أنه لا هذا النص الدستوري ولا مقررات الحادي عشر من آذار كان قد قرر شیئاً لم یكن؛ بل كل منهما قد كشفا هذه الحقیقة لجمهور العراقیین وهي أن الكورد مكون كامل الهویة في ذاته فلا یستقیم وضع العراق من دون اعتبار كامل لحقوقه ولحقوق المكونات جمیعهم، وبدون ذلك یتحول التنوع، الذي یفترض أن تشكّل عامل قوة وازدهار، إلی عامل ضعف وانهیار.

وبجانب هذه الحقیقة التي لم تتنكر لها بعض الأطراف الوطنیة في أدبیاتها السیاسیة أو الاجتماعیة، فإن مما یحزن له كل كوردي أنه قد شارك معظم القوی الأخری بشكل مباشر أو غیر مباشر في الرفض العنیف جداً ليس للحقوق الأساسیة للشعب الكوردي فحسب بل لوجوده وكرامته.

ولعل عمليات الأنفال السيئة الصیت، واستخدام الأسلحة الكیميائیة في حلبجة وغیرها، والتهجیر والتعریب والتعدي في بعض الأحيان على ممتلكات الكورد في مناطقهم، أمثلة في غایة القباحة. ولا بد من الاعتراف هنا بأن المواطنین الشیعة في الجنوب قد استقبلوا المهجرین الكورد بترحاب یلیق بترحاب الأخ لأخیه لا سیما بعد أن أصدر سماحة آیة الله محسن الحكیم فتوی بتحریم قتال الكورد عام 1963، وكنا وقتها نحن الثلاثة الأئمة في الجیش العراقي؛ الأستاذ المرحوم العلامة مصطفی الزلمي والمرحوم الأستاذ محمد علي نجل العلامة الملا محمد عالم گلاله المعروف وأنا، حملنا رسالة شفهیة من البارزانی الخالد إلى المرجع الشيعي تناشده التدخل لوقف إبادة الكورد في العراق. وقد فعل ونجح وأسس الرابطة الشیعیة الكوردیة. ومما یؤسف له أن كثیرین من أتباعه اخترقوا هذه الرابطة ولم يتم احترامها.

وواضح للجمیع أن استقرار العراق مصلحة لكل المكونات عرباً وكورداً وتركماناً شیعة وسنة ومسیحیین وأتباع ديانات أخرى، ولا یتم من دون سیادة حالة عراقیة یشعر فیها الكل بأنه مواطن من الدرجة الأولى، ولا یستعلی مكون علی مكون آخر. وهذا لا يتم إلا بالديمقراطية التي هي مجموعة مبادئ إنسانية تنشد العدالة، قبل أن تكون حكم الأغلبیة في المجتمع المتنوع. وإن احترام الآخر وحقوقه، وثقافة الانفتاح والتسامح تجاه تساؤلات الآخر، وحصر القوة بید القانون هي بعض مبادئها. والخلاصة في الفلسفة الحديثة أن الدولة الديمقراطية هي دولة القانون فعلاً لا دولة الأشخاص.

وبما أن «الذكری تنفع المؤمنین»، فعلیهم جمیعاً أن یتذكروا أننا قد عزمنا بعد القضاء علی النظام الدیكتاتوري أن نمضي قدماً لبناء دولة القانون، ومؤسساته الديمقراطية، ونعمل علی احترام قواعد القانون، وتحقیق العدل والمساواة، لنعیش بسلام من دون أن تكون للغالبیة سلطة القهر والقمع ضد الآخرین بما تمتلك من قوة.

وصحيح جداً ما قاله الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي:

ما كل ما یتمنی المرء یدركه

تجري الریاح بما لا تشتهي السفن

ذلك أننا كنا نتمنی فعلاً أن یغادر العراق كلیاً المآسي التي ذاقها العراقیون في عهود الظلم والطغیان، بعد ما سمیناه - بحسن نیة - «التحریر»، ولكن خابت الآمال والأحلام؛ بل وعاد الغدر بالأبرياء. 

ومع كل ذلك، فإن الكورد لایزالون یتشبثون ببریق أمل یعید لهم ولكل العراقیین كرامة بني آدم، وحقوق كل إنسان، والمساواة.


د. محمد شريف

كاتب ومفكر مختص في فلسفة القانون


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved