تحتفظُ إحدى تكايا الطريقة القادرية في أربيل منذ مئات السنين بمجموعة نادرة من الكتب والمخطوطات وتوليها عناية واهتماماً كبيرين، لكن تبقى مخطوطتها لشاعر فارسي بعمر يتجاوز سبعة قرون هي الأقدم في كوردستان.
خزنة ثمينة
ما أن تطأ قدماك عتبة تكية «كاكي هيراني» حتى تلفت نظرك خزنة ثمينة تحوي حوالي عشرين مخطوطة وكتاباً من النوادر التي تقل مثيلاتها.
وتقع هذه التكية قرب منحدر جبل سفين (أحد أشهر جبال كوردستان) في ناحية هيران التابعة لقضاء شقلاوة بمحافظة أربيل.
ومن المخطوطات التي تضمُّها خزنة هذه التكية، مخطوطة فيها تسعة أبيات شعرية للشاعر الأنوري، وهو من أعظم الشعراء الفرس.
وتعدُّ المخطوطة المؤلفة من صفحة واحدة شاهداً على قسوة قصف الطائرات الحربية العراقية عام 1961 للمنطقة في استهدافها للتكية.
وبهذا العدوان تحول الديوان الشعري أسوة بالمئات من الكتب والمخطوطات النادرة الأخرى إلى رماد، ولم يسلم منهُ إلا صفحة واحدة تم الاحتفاظ بها في الخزنة.
وتضم المخطوطة الفريدة أبياتاً شعرية مكتوبة باللغة الفارسية للشاعر علي بن عمر بن محمد الملقب بـالأنوري (520 - 585) الهجرية. وبحسب المؤرخين وباحثي علم المخطوطات، فإن تلك الأبيات تندرج في الشعر العرفاني الديني.
أما تاريخ كتابة المخطوطة، فيرجع إلى سنة 696 للهجرة (1297 الميلادية) أي أن عمر المخطوطة يبلغ حوالي 727 عاماً، لتصبح أقدم مخطوطة في كوردستان.
علاقة المخطوطة مع المغول
يقول المختصون إن «الانتهاء من كتابة الديوان حصل في إقليم كوردستان عندما كان يقبع تحت سيطرة المغول الإيلخانيين»، فيما تشير مصادر غير مؤكدة إلى أن «الديوان مكتوب على جلد الحيوان».
والإيلخانيون سلالة مغولية وجزء من الإمبراطورية المغولية في الصين (1206 - 1368م) التي تأسست على يد جنكيز خان، بعدما امتد نفوذها من المحيط الهادئ إلى وسط أوروبا، اتخذوا بلاد فارس عاصمة لهم، وتوسعوا في الحكم لتشمل سيطرتهم أجزاء كثيرة من البلدان المجاورة لها كالعراق وأرمينيا وأذربيجان وكذلك القوقاز وأجزاء من آسيا الصغرى (الأناضول)، أما السبب في تسميتها فيعود إلى هولاكو خان الذي أسسها خلال القرن الثالث عشر للميلاد.
ويضمُّ المتبقي من الديوان تسعة أبيات شعرية، بعد كل بيتين مكتوب كلمة «وقال» باللون الأحمر وبعد الأبيات تتزين الصفحة بعبارة «ديوان الأنوري» المذهبّة وبعدها تأتي عبارة «والحمد لوليه والصلاة على نبيه وحبيبه محمد وآله وصحبه الكرام».
كما تليها عبارة «وفرغ من تحريره وتذهيبه العبد الضعيف المحتاج علي بن عمر بن محمد الأستاذ في جمادى الأولى لسنة ست وتسعين وستماية»، وذيّلت الصفحة بختمين أحدهما معلوم يعود للشاعر والآخر مجهول، كما توجد كلمات وربما أرقام مسحتها التحولات البيئية والظروف الصعبة حتى أصبحت عصيّة على القراءة.
حافظ أسرار التكية الهيرانية
ويقول هانا كاكي هيراني أحد أحفاد مؤسس التكية الهيرانية عن المخطوطة إن «لهذه التكية تاريخاً عريقاً يمتد لمئات السنين». وتابع هيراني، في حديث مع مجلة «كوردستان بالعربي»، أن «القائمين على التكية اهتموا إلى جانب الأمور الدينية بالكتب والدراسات والأدب واللغة».
وأشار هيراني إلى أن «الثقافة العامة تشكّل حيزاً كبيراً من أولويات العارفين فيها، وهي السبب في الاحتفاظ بالعديد من الكتب والمخطوطات القديمة». وأكد أن «الغالب من هذه الكتب والمخطوطات قد تعرض إلى الدمار؛ بسبب القصف الذي تعرضت له التكية في مناسبتين ولم ينجُ منهُ إلا القليل».
تُعدُّ عائلة كاكي هيراني من العوائل العريقة والمعروفة في كوردستان عموماً ومنطقة شقلاوة خصوصاً ولها مكانتها الدينية والاجتماعية والوطنية. كما أن للتكية آلاف المريدين الذين يتبعون الطريقة القادرية الدينية. ويتوزعون في مناطق خوشناوتي وسوران وبرادوست وبالكايتي وأربيل وكويسنجق ومناطق أخرى ويتربع حالياً على رأس التكية الشيخ كاكي ثاني.
وتُظهر شجرة العائلة الهيرانية، الشيخ سليمان بك بن الأمير عبد الله أحد أحفاد الأمير كلوس مؤسس إمارة سوران في عام 1399، كمؤسس للتكية الهيرانية في عام 1760.
وقبل تأسيس التكية الهيرانية كان الشيخ سليمان مؤسس التكية أحد أمراء إمارة سوران، لكنهُ غيّر مسار حياته نحو الدين بتأثير من الشيخ طه البدليسي أحد أكثر رجال دين عصره شهرة.
وهانا كاكي هيراني أحد أحفاد مؤسس التكية، يُعدُّ الحافظ لأسرار وخزنة التكية، وهو شاب من مواليد 1995 أنهى دراسته الجامعية في اللغة العربية من جامعة صلاح الدين، ولديه العديد من الكتابات، وهو الوريث الأكثر اهتماماً بجمع المخطوطات والكتب للعائلة.
ويؤكد هيراني، أن «التكية الهيرانية احتوت على مدرسة للعلوم الدينية واللغة، وكانت تحتفظ بالكتب والمخطوطات». ويواصل: «لكن عند اندلاع ثورة أيلول، في عام 1961، واتخاذ التكية مقراً لثورة أيلول أدى إلى قصفها من قبل الطائرات العراقية وتفاقم الأوضاع في هيران وباقي مناطق قضاء شقلاوة».
واستطرد هيراني قائلاً: إن «طائرات الحكومة العراقية سعت آنذاك إلى قمع ثورة أيلول، وقصفت التكية مستهدفة خزنة كتبها ومخطوطاتها، وبذلك أسهمت في دمار نحو 500 مخطوط، ولم يبق منها إلا القليل».
تتزين غرفة هيراني بالعشرات من المخطوطات والكتب المتنوعة، أغلبها متخصص في اللغة والنحو والصرف، ويعود تاريخها إلى مئات السنين، منها ديوان للشاعر صافي هيراني الذي يُعدُّ أحد أبرز شعراء الكلاسيكيين الكورد، وهذا الديوان مكتوب بخط يد الشاعر.
وتوجد في التكية أيضاً مخطوطة يبلغ طولها تسعة أمتار، كُتبت في قضاء كويسنجق التابعة لأربيل سنة 1244 الهجرية، وتتحدث عن الشيخ سليمان كاكي هيراني وتوبته، وعن تاريخ العائلة الهيرانية عموماً.
مخطوطات أخرى مهمة
ويؤكد قاسم محمد الباحث في مركز كوردستان للوثائق والبحوث الأكاديمية في جامعة السليمانية في حديث لـ«كوردستان بالعربي» أهمية المخطوطات في كوردستان، قائلاً: إن «المخطوطات أخذت تحظى باهتمام بالغ خلال السنوات الأخيرة».
وأشار إلى «العديد من الدراسات والبحوث المعمقة التي تناقش هذا الملف»، لكنهُ أفاد بـ«عدم وجود النسخ الأصلية من المخطوطات، وهناك الكثير منها محفوظ لدى مالكيها».
ودعا محمد «المؤسسات الرسمية في الحكومة إلى جمع المخطوطات وتعريفها، ومن ثم أرشفتها للحفاظ عليها».
أما فيما يتعلق بمخطوطة هيراني فيعلّق بالقول: «تُعدُّ من أقدم المخطوطات في كوردستان، ولدينا مخطوطات هي أقدم من الناحية التاريخية لكنها محفوظة رقمياً فقط، أما النسخ الأصلية فهي في مكان آخر»، مشيراً إلى «وجود نسخة رقمية لمخطوطة في منطقة هوران يعود تاريخها إلى 14 سنة قبل الميلاد».
هيمن بابان رحيم: صحفي كوردي عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية