«إسماعيل بيشكجى» مفكر تركي ينظّر للقضية الكوردية
«إسماعيل بيشكجى» مفكر تركي ينظّر للقضية الكوردية

في لقاء جمع نخبة من المثقفين والإعلاميين ومسؤولين في حكومة إقليم كوردستان جرى يوم السبت الموافق 21 كانون الأول 2024، بفندق شيراتون في أربيل، حفل توقيع كتاب «وثائق أربيل في العهد العثماني»، بحضور متميز للشخصية العالمية البارزة السيد إسماعيل بيشكجي. وخلال اللقاء تحدثنا حول الكثير من الأمور والمواضيع المختلفة التي شدتني إلى هذه الشخصية الفكرية المتميزة أكثر مما دفعني تكريماً له أن أخصص الحلقة الأخيرة من كتابي المزمع طبعه قربياً للتعريف بهذه الشخصية الفكرية الفذة ومواقفه الإنسانية النبيلة تجاه شعبنا الكوردي التي دفع تضحيات كثيرة ثمنا لها، وما زالت تلك المواقف المشرفة محفورة في الوجدان الكوردي. 

شارك البروفيسور بيشكجي في هذا الاجتماع بمداخلة قيّمة تناولت جوانب تاريخية للشعب الكوردي في المنطقة، مشيراً إلى الظلم الذي لحق بهم عبر التاريخ من قبل الدول العظمى، وبقائهم أمة بلا دولة. ونوه بأن منظمة الأمم المتحدة تضم الآن أكثر من 193 دولة، منها ما يقارب 25 دولة لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، في حين أن الكورد الذين يبلغ عددهم الآن نحو 50 مليوناً، لا دولة مستقلة لهم. مضيفاً، أن الدول الكبرى لا تزال تتغافل عن المطالب المشروعة للشعب الكوردي، مستشهداً بجريمة قصف مدينة حلبجة بالغازات الكيميائية في 16 آذار 1988، قائلاً إن العالم لم يلتفت لهذه المأساة إلا بعد غزو صدام حسين لأراضي دولة الكويت عام 1990.

وذكر البروفيسور بيشكجي أمثلة أخرى عن الظلم الذي تعرض له الكورد، مستنداً إلى وقائع وبيانات تاريخية دقيقة. وتحدث بشجاعة عن الأذى الذي لحقه شخصياً، بما في ذلك تعرضه لاعتقالات متكررة بسبب تمسكه بالدفاع عن حقوق الكورد.

وترك البروفيسور بيشكجي خلال اللقاء انطباعاً وأثراً عميقاً في نفسي ما دفعني إلى أن أكرمه بالحديث عنه وتعريف مواقفه للقارئ بهذا الكتاب، فتحية لنضال هذا المفكر الكبير.

آراؤه تجاە الکورد 

البروفيسور إسماعيل بشكجي معروف بآرائه الجريئة التي تتعلق بالقضية الكوردية، والظلم التاريخي الذي تعرض له الكورد من قبل الأنظمة الشمولية والدول الكبرى. وفيما يلي بعض أبرز آرائه:

الكورد أمة بلا دولة

يرى بيشكجي أن الكورد تعد واحدة من أكبر الأمم في العالم التي لا تملك دولة خاصة بها رغم وجودها التاريخي العميق في منطقة كوردستان الممتدة بين تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا. ويؤكد أن حرمان الكورد من حقهم الشرعي بتأسيس دولة مستقلة هو نتيجة لمؤامرات القوى الاستعمارية والدول الإقليمية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى، خاصة عند تقسيم المنطقة وفق اتفاقية سايكس بيكو.

الظلم الممنهج تجاه الكورد

يشير بيشكجي في معظم كتاباته وآرائه إلى أن الكورد تعرضوا للاضطهاد والإنكار في الدول التي يعيشون فيها، مثل منعهم من استخدام اللغة الكوردية، وطمس هويتهم الثقافية. ويرى أن الحكومات المركزية في تركيا والعراق وإيران وسوريا تتبع سياسات قمعية لإضعاف الطموحات القومية الكوردية.

حق تقرير المصير

يدافع بيشكجي عن حق الكورد في تقرير مصيرهم وإقامة دولة مستقلة، معتبراً أن هذا الحق هو من المبادئ الأساسية للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

انتقاد الدول الكبرى

ينتقد بيشكجي بشدة القوى العظمى، خاصة الدول الغربية، بسبب ازدواجية المعايير في التعامل مع القضية الكوردية. ويرى أن هذه القوى استغلت الكورد كأداة لتحقيق مصالحها ومآربها السياسية، من دون أن تدعم بشكل حقيقي طموحاتهم القومية.

المصالحة مع الحقائق التاريخية

يدعو بيشكجي إلى ضرورة مواجهة الحقائق التاريخية، بما فيها الاعتراف بالجرائم التي ارتكبت ضد الكورد. ويؤكد أن الطريق لحل القضية الكوردية يبدأ بالاعتراف بوجود الشعب الكوردي كأمة مستقلة ذات ثقافة ولغة وتاريخ خاص به.

التعايش والسلام

رغم دعمه القوي والمستمر لاستقلال الكورد، يشدد بيشكجي على أهمية التعايش السلمي بين الشعوب، داعياً إلى تحقيق السلام القائم على العدالة والاعتراف المتبادل. ويرى أن للمثقفين والأكاديميين دوراً محورياً في نشر الوعي والتعريف بالقضية الكوردية، وفضح الظلم التاريخي والسياسي الذي تعرض له الكورد.

الدولة التركية ونظامها القمعي

ينتقد بيشكجي بشدة سياسات الدولة التركية تجاه الكورد، بما في ذلك منع اللغة الكوردية، وحظر الأحزاب السياسية الكوردية، ووصم الكورد بالإرهاب.

الخلاصة، أن إسماعيل بيشكجي يمثل رمزاً للنضال الفكري والإنساني من أجل تحقيق حقوق الكورد المشروعة، وتُعتبر آراؤه مرجعاً مهماً للبحث والنقاش حول القضية الكوردية وحق جميع الشعوب في تقرير مصيرها.

نبذة عن حياته 

إسماعيل بيشكجي، مفكر وعالم اجتماع تركي ولد عام 1939 في ولاية جوروم بتركيا. نال شهادة البكالوريوس في العلوم السياسة بأنقرة عام 1962، وشهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة أتاتورك في أرضروم عام 1967. عمل في الوظائف الحكومية لفترة بعد تخرجه، وفي عام 1964 أنهى خدمته العسكرية التي كانت في المناطق الكوردية في ولايتي بدليس وهكاري، ثم عمل استاذاً في قسم علم الاجتماع بجامعة أتاتورك بأرضروم بين أعوام 1964 و1969. وفي عام 1971 عمل أستاذاً بكلية العلوم السياسة في جامعة أنقرة، ثم ترك التدريس وتفرغ لأبحاثه وكتبه. له العشرات من الأبحاث والمؤلفات التي تتحدث في غالبيتها عن القضية الكوردية، منها كتابه الشهير «الأكراد في تركيا مجتمع بدون دولة» دعا فيه إلى الاعتراف بالهوية الكوردية وحقوق الكورد الثقافية والسياسية. وكانت كتاباته تُعتبر في حينها تحدياً مباشراً للسياسة الرسمية في تركيا التي تنكر وجود القومية الكوردية. وترجمت مؤلفاته إلى عدة لغات عالمية من بينها الإنجليزية والفرنسية والعربية.

ويعتبر بيشكجي أحد أبرز الشخصيات المدافعة عن القضية الكوردية وحقوق الإنسان في تركيا. عُرف بمواقفه الجريئة التي انتقد فيها سياسات الحكومة التركية تجاه الكورد، وهو ما جعله هدفاً للملاحقات القضائية والسجن.

لقاءه بالكورد

شاءت الأقدار أن يتعرف بيشكجي عن قرب على الكورد، ليكون فيما بعد الصديق الأبدي لهم والمدافع الشرس عن حقوقهم. فقد خدم بيشكجي في الجيش بولايتي بدليس وهكاري الكوردية، فعاش بين الكورد، جلس معهم، أكل من طعامهم، استمع إليهم وسمع منهم، رأى بعينيه مقدار الظلم والقمع الذي كان يعاني منه الكورد. من هنا تعرف على مأساة الشعب الكوردي، وعلم أنهم شعب له تاريخ وثقافة ولغة وحقوق وقضية، وأنهم ليسوا «أتراك الجبال» كما سمتهم تركيا الكمالية. ويقول بيشكجي في ذلك «عندما وصلت إلى جنوب شرقي تركيا شاهدت شعباً له لغة وتاريخ وتقاليد تختلف عما لدينا نحن الأتراك، كما لا يحمل الاسم الذي نطلقه نحن الأتراك عليه، فهو لا يسمي نفسه أتراك الجبال بل بـ(الكورد)». 

رد بيشكجي على الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش - صديق الكورد - الذي قال: «لا أصدقاء للكورد سوى الجبال». لكن بيشكجي عارضه وقال بأن للكورد أصدقاءً جيدين ومستعدين لأن يدفعوا حياتهم ثمناً لحريتهم واستقلالهم. 

الملاحقات والسجن

بسبب مواقفه وأبحاثه، تعرض إسماعيل بيشكجي للسجن عدة مرات في تركيا. وقضى في السجن ما يقرب من 17 عاماً على فترات متقطعة. اتُّهم بدعم الانفصالية والترويج للأفكار الكوردية، وذلك استناداً إلى كتاباته وأبحاثه التي كانت محظورة.

إرثه وتأثيره

يُعتبر المفكر بيشكجي رمزاً للحرية الأكاديمية والنضال من أجل حقوق الإنسان. وحصل على العديد من الجوائز الدولية لجهوده في الدفاع عن القضية الكوردية وحرية التعبير، مثل جائزة حرية الفكر في النرويج. ويبقى إسماعيل بشكجي شخصية مؤثرة ورمزاً للأكاديميين والناشطين في قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الأقليات.


إحسان رشاد المفتي: مؤرخ وكاتب كوردي



X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved