«أحبُ التنقّل بين اللغات كما أحبُ التنقّل بين الثقافات والمدن»، جملة للروائية التركية إليف شافاك، اختصرت من خلالها أهمية تعلّم اللغات، لبناء شخصية جديدة، تمتلك من المفردات ما يكفي للدخول إلى قلب الآخر وليس فقط إلى عقله.
وخلال السنوات العشر الماضية، بدأت مدينة أربيل عاصمة إقليم كوردستان، باحتضان العديد من المبادرات لشبان وشابات عرب انتقلوا من مدنهم في وسط وجنوب العراق، للعيش والعمل في أربيل، وبدأوا بتعلّم اللغة الكوردية، كضرورة ملحّة لفهم المجتمع الكوردي، ولحاجتهم للغة الكوردية في وظائفهم اليومية.
وفي المقابل، بدأ العديد من الشبان والشابات الكورد، بتعلّم اللغة العربية، من خلال التسجيل في معاهد اللغة المنتشرة في أربيل، فشكّلت هذه الحالة المتبادلة، رؤية جديدة للمجتمع العراقي المتقبّل للآخر، وكسرت من خلال ذلك، سنوات طويلة من الحروب والقطيعة والمعاناة.
ويمكن للزائر لمدينة أربيل، أن يلمس حالة التنوّع الفريدة في المدينة، حيث يمكن أن تجمع طاولة عشاء واحدة، شخصيات يتحدثون بلغات مختلفة، (الكوردية والعربية والفارسية والإنكليزية)، هذا التنوّع الثقافي دفع الوافدين الجدد لتعلّم اللغة الكوردية، وفي المقابل دفع الكورد إلى تعلّم اللغة العربية.
تعلّم الكوردية
تقول مديرة إدارة معهد ديلمان للغات في أربيل، روزا إدريس، لمجلة «كوردستان بالعربي»: لاحظنا خلال السنوات الماضية، إقبالاً من الطلبة العرب على تعلّم اللغة الكوردية، ومن الطلبة الكورد على تعلّم اللغة العربية. هنالك أيضاً إقبال من الوافدين الأجانب على تعلّم اللغة الكوردية لرغبتهم بالاندماج في المجتمع الكوردي والقراءة عن تاريخه.
وتضيف إدريس: نعمل على تعليم اللغات منذ 10 سنوات، لدينا معلمون لمختلف اللغات الكوردية والعربية والفارسية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، نستقبل الطلبة من مختلف الجنسيات، استقبلنا خلال الفترة الماضية القنصل الكوري في أربيل الذي بدأ بتعلم اللغة الكوردية من خلال دوراتنا.
وترى أدريس أن اللغات هي جسر للعبور إلى الثقافات الأخرى، وفهم طبيعة المجتمعات، كما أنها سلاح بيد صاحبها، وأداة لبناء مستقبل أفضل. فاللغة تسهّل عملية التواصل، وتُثري سوق العمل بموظفين جدد قادرين على التواصل بأكثر من لغة، وليس فقط لغتهم الأم.
الكورد يتعلمون العربية
«من يتحدث لغة واحدة هو شخص واحد، لكن من يتحدث لغتين فهو شخصان» بهذه العبارة وصف أستاذ اللغة العربية سلمان سمايل، أهمية تعلّم اللغات. يقول لمجلة «كوردستان بالعربي»: أعلّم اللغة العربية للطلبة الكورد منذ عدة أعوام، لاحظت أن أعدادهم في ازدياد خلال السنوات الأخيرة، نتيجة لحاجتهم للتواصل اليومي مع العرب الذين توافدوا من وسط وجنوب العراق إلى أربيل، ولتطوير مهاراتهم في سوق العمل أيضاً.
ويقول الأستاذ الحاصل على إجازة في اللغة العربية من جامعة الموصل: «لدينا طلاب من أربيل والسليمانية ودهوك، يتعلمون اللغة العربية. هذا أمر رائع لم يكن ظاهراً في كوردستان سابقاً، وهو أيضاً دليل واضح على رغبة الناس في التعرّف على بعضهم بعضاً أكثر، والغوص في ثقافاتهم، والاندماج في المجتمعات الجديدة، مضيفاً أن هنالك مَثلاً صينياً يقول: «عندما تتحدث إلى شخص بلغتك فإن كلماتك تدخل إلى عقله، لكن عندما تتحدث معه بلغته فإن كلماتك تخترق قلبه».
من بغداد إلى أربيل
تعيش الشابة كلارا جودت، في مدينة أربيل منذ عام 2004، وصلت من بغداد إلى عاصمة كوردستان لتكمل دراستها الجامعية، وعندما دخلت سوق العمل، واجهتها مشكلة بالغة الصعوبة وهي اللغة. لذلك قررت تعلّم اللغة الكوردية. تقول لمجلة «كوردستان بالعربي»: «تعلّم اللغة الكوردية، أمر بالغ الأهمية، خاصة للعرب الذين يعيشون في كوردستان، حيث إن اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية المستخدمة في الدوائر الحكومية والمستشفيات والبنوك، إضافة إلى أن غالبية الناس يتحدثون باللغة الكوردية».
وتعود كلارا بذاكرتها إلى سنواتها الأولى في أربيل، تقول: «كنت أجلس مع أصدقائي لأفهم كل ما يجري حولي. وفي السوق عجزت عن التواصل مع البائعين بلغتهم، رغم أنهم متعاونون ويتكلمون باللغة العربية، لكن بعد أن تعلّمت اللغة الكوردية، أدركت مدى أهميتها، فقد جعلتني جزءاً من المدينة، وشعرت أنني ابنة مدينة أربيل تماماً كما أنا ابنة مدينة بغداد».
وترى كلارا أن اللغة هي أحد أهم قوائم بناء الصداقات، بدونها يبقى الإنسان عاجزاً عن التواصل، أو فهم ثقافة البلاد وكل ما مر عليها عبر التاريخ. هذا ما اكتشفته بعد تعلّم اللغة الكوردية، كنت كلما تعلّمت كلمة جديدة، تغمرني الفرحة كطفلة صغيرة نطقت أول حرف من حروف لغتها الأم».
اللغة العربية حاضرة في كوردستان
أما هاستين طاهر، ابنة مدينة أربيل، بدأت بتعلّم اللغة العربية منذ 3 أشهر، تقول: «اللغة العربية كالبحر، كلما تعلّمت أكثر، اكتشتفت المزيد من الكنوز. في البداية بدأت بدراسة اللغة العربية لحاجتي لها في عملي كمحاسبة مالية، وضرورة التواصل مع الزبائن باللغة العربية، لكن فيما بعد أعطتني اللغة أكثر من ذلك، الثقافة والفن والموسيقا والتاريخ، كلها يمكنك فهمها من خلال اللغة».
هاستين، التي تدرس اللغة العربية 3 مرات أسبوعياً، أصبحت قادرة على التعريف بنفسها والتواصل بجمل قصيرة باللغة العربية. تقول: «طموحي هو الغوص في تفاصيل اللغة العربية، وسأكمل حتى أشعر بأنني أصبحت متقنة لها، هنالك بعض الصعوبات المتعلقة بالقواعد النحوية. لكن في المقابل هنالك الكثير من الكلمات المشتركة بين اللغتين الكوردية والعربية».
ولطالما كانت اللغات عاملاً للتكامل، فكل شعب يُعرّف بلغته ويبقى خالداً من خلالها، وتعلّم لغة جديدة يفتح أبواباً واسعة نحو المستقبل، إنها دعوة لإعادة اكتشاف الذات من خلال الآخر، وبناء جسور تُغني الروح وتُثري الفكر.
سهى كامل: صحفية سورية مقيمة في أربيل عاصمة إقليم كوردستان