يسعى أستاذ جامعي من أربيل إلى إحياء اللغة السومرية بتعليمها مجاناً، مستفيداً من منصات الإنترنت، داعياً الجهات الرسمية إلى دعم مشروعه للحفاظ على إرث الأجداد.
وعن الأهمية البالغة للغة كوسيلة للتواصل وأداة للمعرفة، تقول الكاتبة الأمريكية المعروفة ريتا ماي براون: «اللغة هي خريطة الطريق للثقافة، إنها تخبرك من أين يأتي شعبها وإلى أين يذهبون».
فرهاد عزيز حسن، الأستاذ في جامعة صلاح الدين والمختص باللغات القديمة والأدب الكوردي، بدأ منذ خمسة أشهر مشروعاً لتعليم الراغبين اللغة السومرية. أسّس حسن قناة على منصة «يوتيوب» لتعليم اللغة السومرية، رغم صعوبتها وعدم وجود مركز أكاديمي متخصص.
ورغم التحديات، يصّر على الاستمرار في التعليم، لأنها كما يقول: «لغة حضارة ولغة الأجداد، والتخلي عنها بمنزلة التخلي عن التاريخ».
وفي حديث خاص لـمجلة «كوردستان بالعربي»، كشف حسن عن بدايات رحلته مع اللغة السومرية قائلاً: «بدأت قبل عشرين عاماً عندما تعلمت اللغة الآفيستية بعد قراءة الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية (آفيستا) والمصادر المتعلقة بها».
وأضاف أن «تعلم اللغة البهلوية القديمة كان سيساعدني في إنجاز دراسات أعمق عن الآفيستية». ثم انتقل إلى تعلم النصوص السومرية بعد عام 2008، معتبراً إياها أصل الكثير من المصادر المكتوبة باللغتين الآفيستية والبهلوية.
يفتخر حسن بإتقانه ثماني لغات، قديمها وحديثها، الأمر الذي ساعده في الحصول على شهادة الدكتوراه في اللغة الإيلامية وعلاقتها باللغة السومرية من جامعة طهران. ويستعد حالياً للحصول على الدكتوراه الثانية التي ستناقش الأسطورة السومرية .
ويرى حسن أن «للغتين السومرية والكوردية جذوراً واحدة ومتداخلة»، موضحاً أن «السومريين لم يكونوا يطلقون على أنفسهم اسم (السومريين)، بل كانوا يطلقون على أنفسهم كتجمع إنساني (KI.EN.GI)، أي (الأكنجي)»، وهي كلمة كوردية تعني (الأصل).
وأضاف في الوقت ذاته أن اللغة الكوردية في طورها الحالي هي كاللغة السومرية يتعدد فيها اللهجات مثل (الكردية الشمالية (كرمانجي) والكردية المركزية (سوراني) والكردية الجنوبية (خواروو) والگورانية، أي أربع لهجات، والتي كانت قبل الألفية الأولى قبل الميلاد وفي القرون الخمس للميلاد كان يتألف من لهجتين فقط تغيرت بعد توسع الدين الإسلامي.
وأكد حسن أنه «خلال الألفية الأولى للميلاد كانت اللغة الآفيستية القديمة والآفيستية الجديدة منتشرة في أجزاء من كوردستان وبعدها في نهاية الألفية الأولى كانت لغة البهلوية هي الأبرز استخداماً في كوردستان».
وأشار إلى أن «للغة السومرية لهجتين هما (الإيمي سال) و(الإيمي كال)، تماماً كما للغة الكوردية الحديثة لهجتان هما (السورانية) و(البهدينية)». كما نوّه إلى أن «العديد من أسماء القرى والبلدات في كوردستان أصلها سومري، مما يعني أن اللغة السومرية هي اللغة الكوردية القديمة».
اللغة السومرية.. حضارة متجذرة في أعماق التاريخ
وكشف حسن عن تفاصيل مهمة حول اللغة السومرية، مسلطاً الضوء على أهميتها التاريخية وخصائصها الفريدة، موضحاً أن «التداخل بين اللغتين لا يقتصر على التقارب بينهما فحسب، بل يمتد ذلك إلى الأساسيات. فاللغتين مركبتين، كما تبدأ الجمل فيهما بالفاعل والفعل ومن ثم المفعول به».
تُعد اللغة السومرية من أقدم لغات العالم بشكل عام، وبلاد ما بين الرافدين (ميزوبوتاميا) بشكل خاص، حيث جرى استخدامها قبل أكثر من 3500 عام قبل الميلاد.
وفي تفاصيل فريدة عن اللغة، أفاد الباحث بأن «اللغة السومرية تتألف من مقاطع صوتية، فهي لغة الأصوات، وتحوي 700 رمز مسماري، كل واحد يرمز إلى مقطع صوتي معين».
وكتب السومريون تدويناتهم على ألواح طينية ما زالت تُستخدم في عصرنا الحالي، باستخدام خشبة ثلاثية الأبعاد تُصنع عادة من قصب السكر.
وأشار الباحث إلى أن «اللغة السومرية تُعد من اللغات القديمة وتتميز بأنها صعبة التعلم مقارنة بما هو موجود حالياً، على أساس أنها لغة صورية وصوتية، لذلك يلقى الشغوفون بها صعوبة في تعلمها».
وشدد الباحث على أن «الذي يقع على عاتقنا في الوقت الحاضر هو إملاء الفراغات في التاريخ وكتابتها مرة ثانية بالاعتماد على النصوص القديمة والكتب ومعرفة الإنسان باللغات القديمة»، مبيناً أن «كتابة اللغة السومرية كان أفقياً وعمودياً، ولكن الأفقي هو السائد».
وتُعد الوركاء أو أوروك المدينة التاريخية للحضارة السومرية والبابلية، وتبعد 30 كلم عن مدينة أور الحالية في محافظة المثنى بالعراق. وهي من أوائل المراكز الحضارية في العالم التي ظهرت في بداية العصر البرونزي قبل حوالي 4000 عام قبل الميلاد.
وفي مدينة أوروك اخترعت الكتابة، ومنها ظهر الحرف الأول في العالم، وذلك في حدود عام 3100 قبل الميلاد. ولفتت المصادر التاريخية إلى أن الكتابة في بداياتها كانت صورية ثم تطورت بعد ذلك لتصبح مسمارية.
ولم تختص اللغة السومرية بالسومريين فحسب، بل تحدث بها الأكديون والبابليون، وقد سادت لعصور طويلة في بلاد ما بين النهرين. واستُخدمت السومرية للنقوش على المباني والتراتيل الدينية وقراءة النصوص السومرية وفك رموز اللوحات.
ونتيجة لعدم وجود الكوادر الكافية، اعتمد العراق على الأجانب بعد العثور على التدوينات السومرية والنصوص المكتشفة خلال التنقيبات عن الآثار في مواقع مختلفة.
وشدد الباحث على «ضرورة فتح أقسام في الجامعات العراقية لدراسة اللغة السومرية وتأسيس مراكز بحوث ودراسات وتعليم خاصة».
وختم الباحث حديثه بالتأكيد على «الاستعداد لطرح مشروع متكامل ومتعدد الجوانب للحفاظ على اللغة السومرية؛ لأن الكوادر العراقية التي تجيد هذه اللغة قليلة».
ويعتبر الباحثون السومرية لغة منفردة لا يمكن تصنيفها تحت أي من العوائل اللغوية المعروفة. وقد اختُزلت العديد من نصوصها الصورية بعد أن كانت ألف علامة صورية، كما أن اللغة السومرية لا تفرق بين المذكر والمؤنث.
هيمن بابان رحيم: صحفي كوردي عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية