كنت قد ترجمت من التركية رواية «الحجر والظلال» للكاتب الكوردي برهان سونميز، التي يروي لنا فيها تاريخاً يبدو للوهلة الأولى أنه يمتد لثمانين عاماً، لكنه في الواقع، يمتد لآلاف السنين، من خلال معايشة نحّات شواهد قبور يدعى عفدو، الذي لا يعرف أين ولد، وحياته التي أمضاها متنقلاً بين أورفا وماردين وهايمانا وسجن أنقرة وإسطنبول ليستقر في بيت متواضع في مقبرة مركز أفندي رجل الدين الصوفي.
الرواية لا تدين بإيقاعها لسرعة أحداثها فحسب، بل لعمق أفكارها الأممية والإنسانية أيضاً، مثلما نعهده دائماً في أعمال هذا الكاتب المبدع كروايتيه الأبرياء والمتاهة التي كان لي شرف ترجمتها إلى العربية أيضاً، فمن خلال الأحداث التي تناولها بدءاً من المذابح التي تعرض لها الكورد في ديرسم (تونجَلي) في شرق الأناضول، إلى إعدام العلوي عاطف هوكا، ثم عدنان مندريس رئيس الوزراء التركي، ودنيز كيزميش الذي قاد انتفاضة الحركة الطلابية في تركيا أيام الحرب الباردة، والانقلابات العسكرية الأخرى وما تبعها من اعتقال وتعذيب، فهو يريد القول إن تلك الأحداث قد تسببت في تمزق عميق بين الشعوب والمعتقدات والأيديولوجيات، ولا يجعل من روايته سرداً لتاريخ حقبة معينة، بل يهدف إلى الحديث عن الظلال التي تقع على الأرض، فتشكلها وتمزج خميرتها؛ فالحجر هي أراضي ما بين النهرين؛ والظلال بالنسبة إلى سونميز هي الشعوب والمعتقدات والثقافات التي عاشت على تلك الأراضي منذ بداية البشرية.
إن جغرافيا تلك الأراضي تحمل آثار جميع الشعوب والأديان والطوائف من أتراك وكورد وآشوريين وعرب وأرمن ويونانيين. جغرافيا تحمل معاناة كل تلك الشعوب، وتلك الندوب، وتلك الآلام؛ تعيش في أغانيهم وأساطيرهم وحكاياتهم وحرفهم، وظلالهم التي تقع على تلك الأرض. الإنسان يحمل ذاكرته الثقافية أينما ذهب. الناس يأتون ويذهبون، لكن الثقافات تدوم، وتلك الأراضي التي استضافت تلك الحضارات المختلفة منذ آلاف السنين، ليست ملكاً لأحد، فأصحابها أشجارٌ عمرها قرون و ستدوم مدى الحياة.
إن اختيار سونميز لتكون المقبرة حجر الزاوية في الرواية، يظهر بقوة، جدلية الحياة والموت، والتشرد من الوطن، والانتماء وعدم الانتماء، والماضي والمستقبل، والإيمان والكفر؛ المقبرة ليست مجرد مكان يدفن فيه الموتى، لتوفر أشجارها الظلال للموتى، ويحرسها البوم، ولا مكان لتجوّل الأرواح فحسب، بل هي المكان الوحيد الذي يجتمع فيه الجميع على قدم المساواة، مجردين من كل شيء لديهم قد يميزهم عن غيرهم.
المقبرة، إرسال الشخصية الحية إلى الموت متى شئت، وهي أيضاً مكان مناسب لاستدعاء الموتى كشخصية جديدة، مثل إحياء عفدو لذكرى دنيز كيزميش في المقبرة أمام النار، بصحبة الأرواح وكل مخلوقات الأرض والحشرات والطبيعة والكون.
مثلما يمكن القول إن «الحجر والظلال» رواية مبنية على بانوراما عمرها ألف عام، فهي رواية لكل ذلك النسيان أيضاً، وعلى سبيل المثال لا الحصر، والشخصية الأخرى في الرواية أستاذ التاريخ آدم الذي يصبح علياً تارة، وحيدراً وعيسى وموسى ويونساً ومحمداً في تارات أخرى، يغادر إسطنبول بعد استدعائه إلى شرق الأناضول للمشاركة في إخماد ما قيل إنه تمرد ديرسم، ليجد نفسه يشارك في مجزرة لم ترحم شاباً ولا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً، فيشعر بصدمة، ولا يجد سبيلاً إلى الخلاص مما يعيشه من اضطراب نفسي إلا بالنسيان، نسيان المرأة العجوز التي لا يعرف لغتها وأبت أن تغادر قريتها، والرجال الذين دفنوا في الكهوف التي لجأوا إليها، والفتاة التي اغتصبت وتركت في النهر تنزف حتى ماتت، وحين يعلم من باب الصدفة، أنها تحمل نفس اسم خطيبته التي تركها في إسطنبول، يقرر دفنها غير عابئ بخطر اتهامه بالخيانة.
ثم يسعى آدم إلى الهروب من كل ساحات الحروب أينما وقعت، وحين يعلم باحتمال نشوب حرب عالمية في أوروبا، يهرب من ماردين إلى بلاد الشام ويتم ملاحقته على أنه هارب من لواء الإسكندرون، فترعاه ممرضة راهبة وتدله على طريق القديس بولس إلى القدس، وحين يرى أن هناك صراعاً بين العرب واليهود، يواصل الهرب إلى مصر. هناك يسمع بثورة للجيش أطاحت بالملكية، فيتسلل خلسة إلى سفينة راسية في الإسكندرية، علها تأخذه إلى مكان لا حرب فيه.
تتقدم القصة بشكل متعرج بين الأعوام من 1938 وحتى 2002. في تلك الأثناء، وعلى الرغم من أن الأسماء والصور قد تغيرت، يواجهنا الكاتب بأن شيئاً لم يتغير، وما نعلمه من التاريخ، أنه لا وجود لمكان على الأرض لم تَطَلْه الحروب.
مع عودة مختصرة إلى القصة والأحداث الرئيسية التي جرت منذ مئات السنين على تلك الأراضي، فكل ما يستعرضه الكاتب لنا عن الماضي مغلف بطبقة شفافة، وما يعرضه لنا عن بعض من تاريخ ماردين، لا يتركنا عالقين في عام 1938 فحسب، وحين يروي لنا قصصاً عمرها آلاف السنين عن الآشوريين والمسيحيين والمسلمين واليهود، منسوجة باختلافاتهم، إنما يريد أن يؤكد على أوجه التشابه بين كل البشر.
قصارى القول إن «الحجر والظلال» رواية عميقة تجعلك تنظر إلى الكون والإنسانية، وإلى الحياة والموت من منظور مختلف، إذ يعرض برهان سونميز خلالها الذاكرة المنسية، والأهواء في كتابة التاريخ، والمجهول حول الوجود والحقيقة، تلك الأسئلة التي نبحث عن إجابات لها منذ قرون، في سرد ممتع وشيق، يبهر بأجوائه ويثير الفضول بخياله.
السيرة الذاتية لبرهان سونميز
ولد في قرية صغيرة وسط تركيا، ونشأ يتحدث اللغة الكوردية، ثم تعلم اللغة التركية في المدرسة. انتقل إلى اسطنبول لدراسة القانون تمكن من التخرج بعد سبع سنوات وعمل محامياً في إسطنبول.
على الرغم من اهتمامه بالشعر وفوزه بجائزتين عن شعره في تركيا، إلا أنه تحول إلى كتابة الروايات في المنفى
رواياته: الشمال (2009)، الأبرياء (2011)، إسطنبول إسطنبول (2015)، المتاهة (2018)، الحجر والظلال (2021)، عشاق فرانز ك (2024).
ترجمت رواياته إلى ثمان وأربعين لغة.
نال جوائز أدبية عديدة.
يعيش بين إسطنبول وكامبريدج.
صفوان الشلبي: كاتب ومترجم أردني