الشماغ.. من أيدي الأجداد الى معمل يجمع الهويات
الشماغ.. من أيدي الأجداد الى معمل يجمع الهويات
February 09, 2025

يتجاوز «الشماغ» كونه مجرد قطعة قماش، فهو رمز حضاري يحمل في طياته حكايات الأرض والإنسان. يروي قصصاً عميقة عن الهوية والانتماء، ممتداً من حضارات بلاد ما بين النهرين العريقة إلى يومنا المعاصر.

في زاوية صغيرة من الطريق الرابط بين مدينة أربيل وناحية كوير، وعلى أرض لا تتجاوز مساحتها 600 متر، يقف الأربيلي صالح يوسف رحمن، داخل معمله معمل «الأصالة الكوردية». رجل يحمل حلماً نسجه بخيوط القطن الخالص، ليؤسس أول معمل للـ«شماغ» في العراق وكوردستان. قصته ليست مجرد تجربة صناعية، بل رحلة إرادة وإصرار.

رحلة البدايات

بدأت رحلته مع عالم النسيج في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين كان وكيلاً حصرياً للشماغ في كوردستان. لكن حلمه كان أكبر: إنشاء معمل نسيج خاص به. يقول رحمن لمجلة «كوردستان بالعربي» عن بداياته: «كان لدي وكالة من دمشق خاصة بالشماغ بكل تفاصيله وألوانه في نهاية تسعينيات القرن الماضي، وكنت الوكيل الحصري لكوردستان العراق».

وعن تأسيس المعمل يضيف رحمن: «في بداية 2023 بدأت بالمشروع الخاص بي، وبقيت لمدة ستة شهور حتى تمكنت من تهيئة المعمل وترتيبه وربط المكائن والمعدات داخله».

وحول التحديات يروي رحمن قائلاً: «الصعوبة التي واجهتني كانت في كيفية الحصول على مكائن الغزل والنسيج، لكن بمساعدة الأصدقاء السوريين في دمشق واتفاقي مع أحد الخبراء، استطعت استيراد المكائن من الصين»، مضيفاً أنه «استعان بالخبرات السورية المسيحية في تطوير المكائن والمعدات وتحوير بعض أجزاءها».

وعن الدعم الحكومي يؤكد رحمن: «لا يوجد دعم حكومي لي، حتى تخفيض الضرائب غير مشمول به معملي، وأتمنى من حكومة إقليم كوردستان أن تساعدني في دعم هذا المشروع الفتي»، لكنه يفتخر بمعمله قائلاً: «معملي هو أول معمل في العراق وإقليم كوردستان، وهو الوحيد الذي يصنع وينتج الشماغ بكل أنواعه وألوانه».

وعن أنواع «الشماغ» يوضح رحمن: «أنتج شماغ لكل القوميات والطوائف والعشائر، منها البارزاني، والخوشناوي، والأربيلي، والتركماني، والعربي بأنواعه».

وعن خططه المستقبلية يقول رحمن: «أملك حالياً ستة مكائن في المعمل، وخطتي هي توسعة المعمل قريباً ليحوي 100 مكينة خاصة بالغزل والنسيج لزيادة الإنتاج»، أما عن جودة منتجاته يؤكد: «أستخدم خيوطاً قطنية مستوردة من تركيا من أجود أنواع القطن الخالص، وسعر القطعة الواحدة من المنتج هو 5000 دينار وهو أقل من المستورد لكن نوعيته أجود».

صاحب المعمل صالح يوسف رحمان

 

الجذور التاريخية

يمتد تاريخ «الشماغ» إلى عمق الحضارة الأكادية، حيث يشير الباحثون إلى أن جذوره تنبع من تماثيل الملك الأكادي (كوديا) المحتفظ به حالياً في متحف اللوفر بباريس. في تلك الحقبة، كان يُرتدى كعصابة للرأس، رمزاً للرِفعة والسموّ والشجاعة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى الزي التقليدي المعروف.

الرمزية والمعنى

يحمل «الشماغ» دلالات عميقة في ألوانه وتصاميمه:

- اللون الأحمر: يرمز للشجاعة والتضحية

- اللون الأبيض: يعبر عن السلام والنقاء

- النمط المربع المتشابك: يعكس تعقيد الفن  وعمق التاريخ

الوظيفة الاجتماعية

يعتبر «الشماغ» الزي الرسمي لعشائر جنوب ووسط العراق، حيث لا يُتصور شيخ العشيرة بدونه. فهو أكثر من مجرد غطاء للرأس، بل هو رمز للهيبة والمكانة الاجتماعية. فيما تتركز طلبات معمل «الأصالة الكوردية» حالياً من «النجف، وكربلاء، ومحافظات جنوب العراق، مع توقعات بطلبات من المملكة العربية السعودية»، حسب قول رحمن.

تتميز الشماغات التقليدية بشراشيب معقودة يدوياً على الحواف، والتي كانت في الأصل وظيفتها عملية (إضافة الوزن للوشاح)، لكنها اكتسبت لاحقاً دلالات رمزية تشير إلى الانتماءات القبلية والحالة الاجتماعية.

يشهد العراق في الوقت الحالي عودة مميزة للاهتمام بالشماغ، استلهاماً للتقاليد العشائرية بعد مرحلة من التحولات المجتمعية، مما يؤكد أهمية الاستمرارية الثقافية.

وأخيراً يرسل رحمن رسالته قائلاً: «الشماغ ليس مجرد قطعة قماش، بل هو نسيج متعدد الأبعاد يحمل قصص الأجداد، يروي حكايات الصحراء، ونضال أبطال الجبال، ويجسد روح الانتماء والهوية».


رياض الحمداني: صحفي ومؤلف عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية



X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved