«الزرادشتية» إرث روحي يتجدد في كوردستان
«الزرادشتية» إرث روحي يتجدد في كوردستان

في قلب المناطق الإيرانية القديمة، وعلى ضفاف بحيرة أورمية، ولد رجل غيّر مسار التاريخ الروحي للإنسانية في حينها. كان اسمه زرادشت، عالم وفيلسوف وطبيب أسس ديانة توحيدية قبل 3765 عاماً، حملت رسالة جذرية للعالم: «الإيمان بإله واحد والتركيز على الأخلاق والاختيار الإنساني».

ولادة فكر جديد

نشأت الديانة الزرادشتية في منطقة «أريان فيج» الممتدة من الهند إلى أفغانستان وباكستان، في وقت كانت فيه عبادة الأوثان والآلهة المتعددة سائدة. جاء زرادشت ليقدم رؤية مختلفة، معلناً المبادئ الثلاثة التي ستصبح جوهر فلسفته: «الفكر الصالح، والقول الصالح، والعمل الصالح».

في لقاء خاص لمجلة «كوردستان بالعربي»، مع آوات حسام الدين طيب ممثلة الزرادشتية في كوردستان والعراق، التي تروي قصة ديانة تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتلمس أعماق الروح الإنسانية وجوهرها العميق.

تبدأ آوات حديثها بابتسامة تحمل حكمة آلاف السنين، لتكشف عن جوهر الزرادشتية: فلسفة تُحرر العقل وتمنحه حرية التفكير والاختيار. «الحرية هي أجمل هدية منحها الخالق للإنسان»، تقول بعمق، «وبدونها لن تنمو الإنسانية أبداً».

رحلة البقاء... من الاضطهاد إلى الاعتراف

مرت الديانة الزرادشتية برحلة طويلة من المقاومة والصمود. بعد سقوط الإمبراطورية الساسانية أمام الفتوحات الإسلامية، تشتت الزرادشتيون في الهند وإيران، حيث حافظوا على هويتهم رغم التحديات.

وتقول آوات: «لدينا اليوم الحرية في الظهور والمشاركة. قانون حرية الدين والعقيدة في إقليم كوردستان منحنا الاعتراف الرسمي كإحدى الديانات التوحيدية الكوردية القديمة».

وتروي لنا كيف أن أول نشيد في تعاليم زرادشت يبدأ بمبدأ الانتخابات، حيث يُدعى الناس لاختيار القادة الأكثر حكمة والقادرين على قيادة البشرية نحو التقدم والكمال. ثم تشرح بعمق رؤية زرادشت للإله «أهورا مزدا»، ليس كسلطة عليا مخيفة، بل كذكاء كوني يسكن في كل ذرة من الوجود. والإنسان ليس عبداً بل شريكاً في مهمة نشر الخير ومحاربة الشر.

التسامح جوهر الإنسانية

تؤكد آوات أن التسامح في الزرادشتية ليس مجرد شعار، بل «فلسفة عميقة ترفض فرض المعتقدات، وتحترم حق كل إنسان في التعبير عن رأيه».

«الضمير هو أهم شيء في الإنسان»، تقول بحماس، «فهو يرشد للخير ويحذر من الشر من دون إجبار أو عنف».

ثم تكمل وتقول:

-  العقل هو أعظم هبة إلهية

-  الإنسان مسؤول عن مصيره

-  الجنة والجحيم في داخلنا

-  احترام البيئة والطبيعة واجب مقدس

قدسية العمل: رسالة روحية واجتماعية

تتجلى الزرادشتية كرسالة متكاملة تمزج بين الروحانية والمادية. فهي لا تقتصر على العالم الروحي، بل تؤكد على أهمية العالم المادي وتقديم الخدمات بشقيها الروحي والمادي.

ويشجع زرادشت على العمل والجهد، معتبراً الكسل والبطالة والتسول أعمالاً تنتقص من كرامة الإنسان. بل إنه يعتبر العمل عبادة وطريقاً لكسب رضا الخالق.

أكثر من ذلك، يؤكد على عدم جدوى الصلاة والصوم إذا أعاقت العمل، ويرفض الانعزال بحجة العبادة لما فيه من إبعاد للإنسان عن خدمة نفسه ومجتمعه.

الصدق والحقيقة... جوهر الوجود

تروي آوات لمجلة «كوردستان بالعربي» تفاصيل عميقة عن جوهر الفكر الزرادشتي، مُبينة أن زرادشت يضع الصدق والحقيقة في قلب تعاليمه، مؤكداً أن اتباع طريق الحقيقة يجلب السعادة والراحة النفسية. فالصدق غاية في ذاته، بلا مقابل أو انتظار.

ويرى زرادشت أن سعادة الإنسان تكمن في إسعاد الآخرين، وأن أكثر الناس تمجيداً هم من يعيشون من أجل خدمة المجتمع وتوفير حياة أفضل للناس. ثم تكمل آوات روايتها بأن زرادشت كان دائماً ضد العنف والتطرف، حتى مع أعدائه. ودعا أهل العلم والحق للتغلب على روح الانتقام، معتبراً ذلك من الأعمال الشريرة التي تتعارض مع إرادة الخالق.

النار... رمز النور الإلهي

تحتل النار مكانة خاصة في المعتقد الزرادشتي. فهي من أنظف المخلوقات المادية، مصدر للطاقة والإنارة. يحترمها الزرادشتيون ويرون فيها رمزاً لنور الله «أهورا مازدا»، لكنهم لا يعبدونها. وفي صلاتهم، يتوجهون نحو الشمس أو النار، معتبريها امتداداً للنور الإلهي.

وتكشف آوات حسام الدين، عن عمق الممارسات الروحية في الديانة الزرادشتية. وتشرح أن الصلاة تتم خمس مرات يومياً، مع توجيه الوجه نحو مصدر الضوء - الشمس أو أي مصدر إضاءة. «الدعاء هو أي شيء يخطر على بال الإنسان»، تقول، مؤكدة على حرية التعبير الروحي.

كل يوم أربعاء، يجتمع الزرادشتيون في المعبد وسط نار مشتعلة، حيث يقدم المرشدون الدينيون أدعية للبشرية، تتبعها محاضرات تربوية وأخلاقية يختارها متخصصون. وعن الصوم تنفي آوات فكرة الصوم التقليدي، معتبرة الامتناع عن الطعام والشراب أمراً سلبياً يؤثر على الجسد والنفس. 

لكن للزرادشتيين طقس خاص: الامتناع عن لحوم الحيوانات أربعة أيام شهرياً - الثاني والثاني عشر والرابع عشر والحادي والعشرين - حفاظاً على الثروة الحيوانية والصحة بحسب معتقدهم.

الأعياد: احتفال بالحياة والمحبة

تصف آوات الأعياد بأنها «عبادة لله»، فرح مقدس يعبر عن محبة الخالق للإنسان. وتضيف «الموسيقى والرقص والأناشيد شكل من أشكال التمجيد الروحي».

أبرز الأعياد الزرادشتية

نوروز (21 مارس): بداية السنة الجديدة، احتفال بالربيع مع إشعال النار وإلقاء الخطب والأشعار.

عيد ميلاد زرادشت (26 مارس): ذكرى مولد النبي.

عيد ئاوان (21 يونيو): عيد المياه، أول يوم من الصيف.

عيد مهرجان (22 سبتمبر): عيد المحبة، أول يوم في الخريف.

عيد زاین (21 يناير): عيد الميلاد، اليوم الأربعون من الشتاء حيث تبدأ الأيام بالتطاول.

تنوه آوات في حديثها مؤكدة أن هذه الطقوس ليست مجرد تقاليد، بل «احتفال بالحياة والمحبة».

الزرادشتية في كوردستان

يؤكد الصحفي المختص بالأقليات الدينية سامان داود، في تصريح لمجلة «كوردستان بالعربي»، أن الزرادشتيين عادوا بعد عام 2014 إثر انتشار التطرف على مساحات واسعة من العراق، مشدداً على أن «وجودهم في كوردستان والعراق ضارب في القِدَم، وهم جزء لا يتجزأ من نسيج المنطقة».

وعلى الرغم من صعوبة تحديد أعدادهم بدقة، فإن وجودهم أصبح بارزاً وواضحاً في إقليم كوردستان، وهو ما يعكس تطوراً إيجابياً نتج عن «دعم حكومة إقليم كوردستان لمبادئ التعايش السلمي وقبول الآخر» يقول داود. مشيراً إلى أن «الزرادشتيين استثمروا هذه الفرصة بكفاءة لإبراز هويتهم، حتى أصبحوا اليوم حاضرين بقوة في المشهد المحلي، مؤثرين في المجتمع المحيط من خلال رؤاهم الدينية الفريدة».

ويرى داود أن وجود ديانة عريقة كالزرادشتية في إقليم كوردستان يمثل إثراءً نوعياً للتنوع، مشيراً إلى أن «هذا التنوع يصعب مجاراته في أي مكان آخر بالمنطقة».

وفيما يتعلق بقانون رقم 5 لسنة 2015، يدعو داود إلى ضرورة تطبيقه بحذافيره وتعميمه على جميع أنحاء العراق، وليس فقط في إقليم كوردستان.

تنهي حسام الدين حديثها بابتسامة تحمل رسالة عميقة: «الزرادشتية هي دعوة للتفكير، للمحبة، للتسامح.. رحلة مستمرة نحو الكمال الإنساني».​​​​​​​​​​​​​​​​

ويؤكد الفكر الزرادشتي على مبدأ أساسي يفصل بين الدين والسلطة السياسية، مشدداً على أن تداخل السلطتين يؤدي إلى الفساد. فالنبي زرادشت دعا بوضوح إلى الفصل التام بين مؤسستي الدين والدولة.


رياض الحمداني: صحفي ومؤلف عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية






X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved