حينما تدخل مكاناً يعجّ بالتفاصيل، لا بد أن يستوقفك ما يبدو غريباً أو غير مألوف. وهذا بالضبط ما حدث معي عند زيارتي مكتبة الدبلوماسي والسياسي الكوردي دارا عطار في منزله بمدينة أربيل.
الجدران كانت مكسوة بالكامل بكتب متنوعة، باللغات الكوردية والعربية والإنجليزية، فيما تبعثرت على الطاولات وعلى أرضية الغرفة كتب أخرى، كأنها شاهدة على سنوات طويلة من العمل الدؤوب في المجال الدبلوماسي والسياسي.
لكن ما جذب انتباهي بشدة، لم يكن فقط الكم الهائل من الكتب، بل شيء آخر مختلف تماماً، مسدس قديم وضع داخل إطار زجاجي. لم أستطع مغادرة المكان من دون معرفة القصة الكامنة وراء هذا المسدس، خاصة بعدما استمعت إلى حديث الأستاذ دارا عن مكتبته ومسيرته الطويلة في جمع هذا الكنز الثقافي.
ظل ذلك المسدس عالقاً في ذهني، وكأن شيئاً ما بداخلي يُلح عليَّ لمعرفة حكايته. في البداية، تخيلت أن الأمر ربما يتعلق بشغفه بجمع التحف القديمة، خاصة وأنه قضى جزءاً كبيراً من حياته قريباً من الزعيم الكوردي الراحل ملا مصطفى البارزاني، وكان على تواصل دائم مع قوات البيشمركة خلال سنوات الستينات، يزورهم في الجبال ويشاركهم نضالهم.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً. قصة المسدس حملت في طياتها تفاصيل شيّقة لم أتوقعها، وهو ما جعلني أشعر أنني أمام فصل جديد من حكايات كوردستان، حكاية اختلطت فيها السياسة بالتاريخ، والنضال بالذكريات.
عندما استفسرت عن قصة هذا المسدس وزمنه، بدأ الأستاذ دارا عطار يسرد حكايته قائلاً:
«خلال إقامتي في بريطانيا لإكمال دراستي في بداية الستينات، وتحديداً في عام 1962، تعرفت على المهندس النيوزلندي أرشيبالد ميلن هاملتون. كان هذا الرجل هو المشرف على فتح الطريق الذي يربط مدينة أربيل بمعبر حاج عمران الحدودي في عام 1928، والمعروف بطريق هاملتون. ومع مرور الوقت، تعززت علاقتنا، حتى وجهنا له في عام 1964 دعوة للمشاركة في احتفال بعيد نوروز أقيم في بريطانيا».
وفي تلك المناسبة، قدم هاملتون هدية فريدة لدارا عطار، إذ أهداه المسدس قائلاً له: «أهديك هذا المسدس ليبقى عندك، فأنا كبرت في السن، وأولادي لا يهتمون به كما تهتمون أنتم. لذلك، قررت أن أمنحه لك».
وروى دارا عطار أن هذا المسدس كان قد حصل عليه هاملتون كهدية من أحد رؤساء العشائر الكوردية في رواندوز، بهدف حمايته من السراق وقطاع الطرق. ففي ذلك الزمان، لم يكن الأمن مستتباً في المناطق الجبلية والنائية، حيث كان هاملتون يعمل على شق الطريق بين وديان وجبال كوردستان.
هاملتون قضى نحو خمس سنوات في هذا المشروع، وعمل بحماس كبير رغم صعوبة المهمة. كان المهندس النيوزلندي بحاجة أحياناً إلى استخدام المتفجرات لكسر الصخور وشق أطراف الجبال، مستعيناً بعدد كبير من العمال المحليين الذين وصفهم بأنهم أوفياء لعملهم ولوطنهم.
وينقل دارا عن هاملتون أنه في عام 1930، توجه للذهاب إلى بغداد لجلب الأموال اللازمة لدفع أجور العمال مثلما كان يفعل بين فترة وأخرى، إذ لم تكن هناك مصارف أو بنوك لتحويل الأموال في ذلك الوقت. وأثناء عودته من بغداد ومعه شخص واحد، حاملاً مبلغاً كبيراً من المال يُقدر بثلاثين ألف دينار عراقي، تعرض لعملية سطو.
وقعت الحادثة عند قمة جبل سپيلك، حيث قطع الطريق على مركبته مجموعة من ثلاثة إلى أربعة أشخاص وضعوا أحجاراً كبيرة في الطريق، ثم هاجموه بالسكاكين وسلبوا الحقيبة التي تحتوي على المال. والشيء الجيد، حسب قول هاملتون، أنهم فتحوا له الطريق لمرور سيارته وأزالوا الأحجار بعد سلب المال منه.
عاد هاملتون إلى مخيم المشروع وقلبه مثقل بالحزن، لا يدري ما يفعل. وفي حيرة من أمره، تذكر صديقاً له يُدعى «صاحب»، وهو مالك مقهى شعبي في رواندوز، حيث كان العمال يجتمعون هناك خلال أوقات الاستراحة.
توجه هاملتون إلى المقهى وروى لصاحبه القصة بمساعدة مترجم، إذ لم يكن هاملتون يجيد اللغة الكوردية، بينما كان صاحب المقهى يفهم بعض الكلمات الإنجليزية البسيطة. عندما سمع صاحب المقهى بما حدث، غضب بشدة وقال: «هؤلاء السارقون معروفون لدى رؤساء العشائر في المنطقة، وسأتولى الأمر بنفسي».
في اليوم التالي، دعا صاحب المقهى رؤساء العشائر إلى الاجتماع عنده. لم يكن الحاضرون على علم بسبب الدعوة، لكن بمجرد أن سردت القصة عليهم، تعهد أحد رؤساء العشائر لهاملتون بإعادة الأموال المسروقة.
وبالفعل، في اليوم التالي، جاء رجل يحمل كيساً متهالكاً يحتوي على 27 ألف دينار عراقي، أي ينقص منه حوالي ثلاثة آلاف دينار من المبلغ المسروق، حيث يُعتقد أن اللصوص احتفظوا ببعض المال كمكافأة لهم.
شكر هاملتون الجميع بامتنان عميق، وأكد لهم أن حبه لكوردستان ليس من أجل العمل فقط، بل لأنه يحب شعبها من صميم قلبه ويكنّ له كل الاحترام.
عند سماع هذا الكلام، نهض أحد رؤساء العشائر من مكانه، وسحب مسدساً من خصره، قائلاً له: «هذا المسدس لك لتحمي به نفسك. بالخنجر وحده لن تتمكن من مواجهة قطاع الطرق».
ظل المسدس ذكرى عزيزة على قلب هاملتون، واحتفظ به حتى قرر إهداءه لشخصية كوردية يثق بها للحفاظ عليه. وهكذا، وصل المسدس إلى الأستاذ دارا عطار ليكون شاهداً على قصة مليئة بالشجاعة والوفاء، وجزءاً من تاريخ العلاقات بين الشعب الكوردي وأصدقائهم الذين عبروا الحدود ليشاركوا في بناء هذا الوطن.
مواقف هاملتون الإيجابية التي تعبر عن حبه الشديد لشعب كوردستان لا تتوقف عند قصة المسدس. فالأستاذ دارا عطار يروي لنا موقفاً إنسانياً آخر لهاملتون تجاه الشعب الكوردي، حيث قال إنه في عام 1965 اتصل به هاملتون وهو يبكي بشدة. وعندما استفسر منه عن سبب بكائه، أخبره هاملتون بأن ابنه سقط من قمة جبل وتوفي أثناء محاولته تحقيق رقم قياسي والدخول إلى كتاب غينيس للأرقام القياسية، حيث فقد توازنه أثناء بلوغه القمة وسقط..
طلب هاملتون من الأستاذ دارا أن يرافقه إلى الجامعة التي كان يدرس فيها ابنه في أسكتلندا لحضور حفل تأبينه. وبعد يومين، سافرا معاً بالطائرة إلى هناك وشاركا في مراسم التأبين التي حضرها رئيس المقاطعة ورئيس الجامعة وعدد من الشخصيات البارزة في أسكتلندا..
عندما طلب من هاملتون إلقاء كلمته في المراسم، شكر الجامعة على تنظيمها لحفل التأبين لابنه الراحل. ثم قال: «لدي طلب صغير أتمنى أن توافقوا عليه. كان لدي ولدان وطلبت منهما بعد التخرج أن يتوجها إلى كوردستان، وها هو واحد منهما قد توفي، ولا أعتقد أن الآخر سيذهب. لذلك، أطلب تخصيص منحتين دراسيتين لطالبين كورديين في الجامعة، لأن هذا الشعب قدم لي الكثير أثناء تواجدي بينهم».
ثم قام هاملتون بالإشادة بالشعب الكوردي بشكل كبير، وأشار إلى الأستاذ دارا عطار وقال للحضور: حبي للشعب الكوردي دفعني لأن أحضر اليوم معي ممثلاً عنهم لحضور هذه المراسم.
المهندس هاملتون
أرشيبالد ميلن هاملتون (1898 - 1972) مهندس مدني نيوزيلندي الأصل، اشتهر ببناء طريق هاملتون عبر كوردستان .
حيث بين عامي 1927 و1932 كان هاملتون المهندس الرئيسي لطريق استراتيجي بريطاني في كوردستان، والذي يمتد من أربيل، عبر رواندز، إلى الحدود الإيرانية عند معبر حاج عمران. أصبح الطريق معروفاً باسم طريق هاملتون. على الرغم من أن هاملتون كان يأمل في أن يوحد الطريق شعوب المنطقة، بدل الحروب المستعرة هناك عدة مرات. ووصف بناء الطريق في كتاب صدر عام 1937 بعنوان «الطريق عبر كوردستان».
جسر كالندر - هاملتون
أثناء بناء الطريق، أدرك هاملتون الحاجة إلى جسور قوية وقابلة للتكيف مع مكونات يمكن نقلها وإقامتها بسهولة في المناطق النائية أو التضاريس الصعبة. مع الكابلات البريطانية Callenders المعزولة، قام بتصميم نظام جسرCallender-Hamilton وتم ربط أجزاء الجسر معاً مثل قطع المیكانو Meccano
إرث هاملتون في كوردستان
يوجد تمثال لهاملتون في رواندز بكوردستان العراق تكريماً لإسهاماته في المنطقة. وما زال المسدس الذي أهداه لدارا عطار يُعد رمزاً لكرم الشعب الكوردي وشهامته في مساعدة الآخرين. قصة المسدس ليست مجرد قطعة أثرية، بل شهادة على العلاقات الإنسانية العميقة التي تتجاوز الحدود واللغات والثقافات.
عبد الحميد زيباري: صحفي وإعلامي كوردي