في رحلة طويلة من النضال الفني والسياسي، عاش الفنان الكوردي حسن شريف العديد من المحطات المضيئة التي شكلت حياته الفنية، إذ يعتبر أن مراحل مختلفة من حياته كانت مكرسة لأجل النضال في سبيل قضية وطنه وشعبه.
تحت سماء الشغف بالغناء والنضال، يمزج هذا الفنان بين ألحان الطنبور وصدى الجبال الذي اختبر قساوته في سنوات نضاله مقاتلاً بحنجرته وآلته الموسيقية في صفوف البيشمركة اعتباراً من عام 1987، حيث كانت رحلته الفنية لا تنفصل عن مسيرته في الجبال دفاعاً عن الشرف والكرامة. في حوار أجراه الكاتب جان دوست لمجلة «كوردستاني العربي»، كشف شريف عن تفاصيل دقيقة من حياته، منذ الطفولة وحتى تبلور مسيرته الفنية الرائدة في المنفى الأوروبي، مستعرضاً محطات صنعت من صوته صوتاً للوطن، أمله الحرية وهمه الشعب، وحلمه بالعودة إلى حضن ترابه.
الفنان المشهور بأغانيه التي يستقيها من ينابيع الأدب الكوردي وقصائد الكلاسيكيين والمعاصرين، بدأ الحديث عن تلك المرحلة التي يسميها هو بـ«المرحلة الذهبية» من حياته، حين قاده حبه للوطن والاضطهاد الذي كان يمارسه النظام السابق بحق شعبه إلى الالتحاق بالبيشمركة عام 1987، حيث صار يقدم أغانيه الوطنية التي أثارت حماسة الشعب الكوردي في ظل ثورة گولان التي اجتاحت كوردستان في تلك الفترة.
لم يكن شريف يحمل السلاح في المعارك، بل كان الطنبور رفيقه وسلاحه. في إحدى مناطق الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكوردستاني، أسس مع رفاقه «فرقة پيشرَو» التي أحيت أغاني النضال والأمل رغم محدودية الإمكانات. ويروي شريف كيف كانت تلك الفترة، رغم قسوتها، مليئة بالحرية والتضامن بين صفوف الشعب الكوردي المنضوي تحت مظلة جود (الجبهة الوطنية الديمقراطية).
يرتبط النضال بالغناء، كما يقول شريف، ليصبح الفن بذلك وسيلة توثيق لمعاناة شعبه. ويرى أن الغناء الكوردي ليس مجرد تسلية بل هو هوية وصدى لنضال مستمر، يحكي فيه قصة قومية عانت الكثير من الظلم والقمع. الغناء بالنسبة له كان وما زال عشقاً وقيمة سامية تعبر عن تطلعات وآمال الكورد للحرية والكرامة.
يعود شريف بذاكرته إلى طفولته، حين اكتشف ولعه بالموسيقى. كان الإيقاع يسكن وجدانه منذ نعومة أظفاره، وتأثر كثيراً بأجواء عائلته التي كان أفرادها يتقنون الغناء، وخاصة والدته ذات الصوت العذب الذي كان يشبه صوت الفنانة مريم خان. في تلك المرحلة المبكرة، كان يصنع الآلات الموسيقية البدائية بنفسه ويحاول محاكاة ما يسمعه من ألحان في المناسبات والأعراس المحلية الشعبية.
يقول الفنان الذي يتنقل بين أوروبا (السويد) وإقليم كوردستان إن «الغناء الكوردي يشبه السجادة الزاهية الألوان، المتعددة النقوش والأنماط. وهذا التنوع هو جزء من جماله». ويؤكد أنه «حاول دائماً أداء أنواع مختلفة من الأغاني، بما فيها أغاني الدراويش، لكن بأسلوب خاص به». ويستمر الفنان الذي حصد كليبه الغنائي «لالش» عام 2006 في زاخو على المركز الأول في مجال الإخراج والتصوير قائلاً: «أحياناً أعتقد أنه من المهم أن أساهم في الحفاظ على الأغاني القديمة، مثل الأغاني الكلاسيكية التي كتبها الشعراء الكورد مثل: فقي طيران وملايي جزيري. الهدف من ذلك هو جذب الشباب للاستماع إلى شعرائنا الكلاسيكيين. التنوع في الأغاني يعطيني متعة خاصة، كما أن فننا الغنائي الكردي يشبه فسيفساء مليئة بالألوان».
عندما انتقل إلى أوروبا، وجد حسن شريف ملاذاً آمناً يتيح له تطوير تجربته الفنية. وقد علمته الديمقراطية الغربية الكثير، بما فيها قيمة حرية الإنسان وأهمية البيئة. واصفاً السويد بأنها وطنه الثاني حيث كل الحقوق الإنسانية والقومية محفوظة، مما مكنه من السفر والتجول لأداء أغانيه في أماكن عديدة. ومع ذلك، يبقى حنين الوطن مرتبطاً به، حلم العودة إلى كوردستان دائماً في قلبه، وكما يقول: «يبقى المغترب مرتبطاً بوطنه ورائحة ترابه».
حافظت مسيرته على التواصل وربط الشتات بالوطن من خلال الحفلات التي أحياها في مختلف البلدان، لكنه يجد الفرق واضحاً بين أوروبا وكوردستان من حيث أجواء الحفلات. فهناك دفء وحميمية في كوردستان حيث الفن لا يعرف الغربة، وقد لاحظ مؤخراً تطوراً ملحوظاً في إقامة المهرجانات الموسيقية في الإقليم، متمنياً أن تنتشر ثقافة الاستماع لدى الشعب الكوردي، حيث الحضور القليل المستمع أفضل من جمهور ضخم غير مصغٍ.
ورغم تشابك السياسة مع الفن، إلا أن شريف يقول إن العلاقة بين الفن والسياسة يجب أن تكون في خدمة «توحيد الصفوف»، مشيراً إلى أن الفن يجب أن يكون منبراً لمطالب الشعب الكوردي وأداة للسلام وبناء الجسور بين الشعوب، وليس أداة لتأجيج الصراعات الداخلية. وفي الفترة التي كان الفن جزءاً من النضال، ومن خلال الأغاني، «كنا نرفع من معنويات المقاتلين، ونروي للعالم قصتنا الحقيقية».
لم تقتصر أغاني حسن شريف على تاريخ وقائع المقاومة، بل كانت تمثل أيضاً تعبيراً عن الهوية الكوردية. كانت أغانيه تشكل تاريخاً نضالياً، سواء في الأوقات العصيبة أو في الأوقات التي تبعت التحرر من القمع. مشيراً إلى أنه «إذا كان لا بد من السياسة في الفن، فلتكن ذات طابع إنساني وتوحيدي، ولنعمل جميعاً من أجل مصلحة شعبنا».
ومن أشهر أغاني شريف التي حازت على شهرة واسعة أغنية «لالش» التي وصفها بأنها ملحمة فنية، حملت رسالة قوية عن الثقافة الإيزيدية ودورها في الحفاظ على تراب الوطن. كتبها الشاعر أديب جلكي. وقد نالت الأغنية إعجاباً واسعاً في المجتمع الكوردي وحصدت الجوائز رغم بعض الجدل الذي أثير حولها.
وفيما يتعلق بحب الموسيقى الكوردية، يعبر شريف عن تفضيله للأغاني البوتانية (الجزيرية)، منها أغاني جولمرك وسرحدان، التي يجد فيها انعكاساً لثقافته الأم، والتي تحمل عبق الماضي وغنى التراث، كما يؤكد على تأثره الكبير بالمغنين الكلاسيكيين مثل مريم خان ومحمد عارف جزراوي، بالإضافة إلى المغنين الكورد الثوريين مثل شفان پَرور ومحمد شيخو، الذين ألهموه في أغانيه السياسية والنضالية.
وحين سُئل حسن شريف عن الأغنية التي تمثل فنه، أجاب «من الصعب أن أحدد أغنية معينة، لكن ألبوم (آي آڤ وآڤ)، الذي يشمل قصيدة فلسفية للشاعر الكوردي الكلاسيكي فقي طيران، يعد من أحب ألبوماتي».
الفنان حسن شريف، الذي حمل رسالة شعبه عبر أغانيه، يظل واحداً من أبرز الوجوه الفنية الذين خدموا قضيتهم بأصواتهم وأغانيهم، إنه مثال للفنان الذي لم ينفصل عن هموم شعبه، بل جعل فنه وعطاءه الفني مرآة لكل معاناتهم وآمالهم، ولقاء مجلة «كوردستان بالعربي» معه لم يكن مجرد حديث عن الفن فقط، بل كان شهادة حية على نضالٍ متواصل وعلى إصرار الفنان الكوردي على حمل رسالته في مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية.
جان دوست: شاعر وروائي ومترجم كوردي، صدر له العديد من الكتب والروايات وترجم العديد من الروائع الكوردية إلى العربية