دهوك.. منصة شرق أوسطية جديدة للسلام
دهوك.. منصة شرق أوسطية جديدة للسلام

شهد منتدى السلام والأمن في الشرق الأوسط (MEPS)، المنعقد في مدينة دهوك يوم 18 تشرين الثاني 2025 تحوّلاً نوعياً في دورته السادسة، منتقلاً من كونه مجرد فعالية أكاديمية إلى منصة سياسية فاعلة جمعت نخبة من القادة وصنّاع القرار على مستوى كوردستان والعراق والشرق الأوسط. وانعقد المنتدى تحت عنوان «الفوضى المسيّرة.. شرق أوسط جديد» في وقت بالغ الحساسية تشهد فيه المنطقة تحوّلات عميقة وتحديات معقدة.

تحوّل نوعي في الأدوار

لم يعد المنتدى مجرد مكان للنقاشات الأكاديمية، بل تحوّل إلى فضاء حقيقي لصناعة القرار. حيث شهدت كواليس المنتدى لقاءات ثنائية مكثفة تناولت ملفات ساخنة، أبرزها تشكيل الحكومة العراقية والتحالفات السياسية المرتقبة. كما مثّل المنتدى منصة لإطلاق رسائل سياسية عملية وتبني رؤى تنفيذية ملموسة تهدف إلى معالجة إشكاليات المنطقة.


رؤى القادة والمسؤولين

أكد الرئيس مسعود بارزاني في كلمته الافتتاحية أن حل أزمات الشرق الأوسط يتطلب إرادة سياسية حقيقية، قائلاً: «الأزمات كثيرة في العالم، لكنها في منطقتنا أشد خطورة». وأشار إلى اتفاقية سايكس - بيكو كمثال على التقسيمات التي لم تراعِ حقوق شعوب المنطقة، مؤكدأ أن «الكورد والعرب شريكان في هذا الوطن».

وشدّد بارزاني على أهمية الدستور العراقي كأساس لحل الخلافات بين بغداد وأربيل، داعياً إلى تطبيق المادة 140 وإقرار قانون النفط والغاز وتشكيل المحكمة الاتحادية. كما حذّر من استمرار التهديد الإرهابي وانتشار المخدرات، معتبراً إياها من أخطر التحديات الأمنية الراهنة.

وتناول بارزاني بمرارة واضحة التجارب المؤلمة التي مرّ بها الكورد، من الانتهاكات التي حصلت خلال حملة الأنفال والقصف الكيمياوي، لكنه أكّد في الوقت ذاته أن الحركة الثورية الكوردية لم تتخلّ يوماً عن السعي للسلام، قائلاً: «على مدى عقود، حاولنا المضي نحو الحلول السلمية. صحيح أننا لا ننسى ما مرّ بنا، لكننا لا نبحث عن الانتقام، لأننا ندرك جيداً أن الأخوّة بين الكورد والعرب وباقي المكونات أسمى من كل المشكلات والانتهاكات التي ارتكبتها الحكومات المتعاقبة».

وأشاد بارزاني بدستور العراق لعام 2005، واصفاً إياه بالخطوة المتقدمة رغم نواقصه، مشدداً على أن الدستور يبقى أساساً يمكن من خلاله حلّ المشكلات شريطة الالتزام به: «لدينا دستور نحترمه وندعمه، وهو يرسم آلية واضحة لحلّ الخلافات بين بغداد وأربيل».

من جانبه، أشار رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني إلى أن التوصيات التي تُصاغ في المنتدى «قابلة للتطبيق»، معرباً عن أمله في أن «تُعرض على السلطات والمسؤولين للاستفادة منها في معالجة تحديات الشرق الأوسط».


رؤية بغداد والتعاون الإقليمي

كان أحد المشاركين في المنتدى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي شدد في كلمته على ضرورة اتخاذ مبدأ التعاون والمشاركة في العمل السياسي، مؤكداً أن عنوان المرحلة المقبلة في العلاقة بين بغداد وإقليم كوردستان سيكون «الفرص المشتركة والوفيرة»، داعياً إلى «تجاوز جميع الملفات العالقة والانتقال إلى مرحلة تعاون حقيقي». كما أعاد التأكيد على احترام التوافقات السياسية القائمة بما في ذلك تخصيص منصب رئاسة الجمهورية للكورد.

أما رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر، فقد شدّد على أهمية القضية الكوردية، قائلاً إن أزمات الشرق الأوسط «لن تنتهي من دون حل جذري للقضية الكوردية»، ذلك أن الشعب الكوردي «يمثل مكوناً محورياً في استقرار المنطقة».

المشاركة الدولية والدبلوماسية الناعمة

على المستوى الدولي والأممي، كان الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق، الدكتور محمد الحسان، أحد المشاركين في المنتدى، والذي عبّر عن سعادته بالمشاركة فيه، مشيراً إلى أن «العراق أنهكته الأزمات والحروب والاضطرابات»، وأن الوقت قد حان لشعوب المنطقة «كي تعيش بسلام وتتحاور فيما بينها وتحقق أحلامها».

وعلى المستوى الكوردستاني، أشاد قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي بالدور المحوري لإقليم كوردستان وحكومته، قائلاً: «لقد وقف إقليم كوردستان وحكومة الإقليم باستمرار معنا، وقدموا لنا الدعم والتنسيق والمساندة في أحلك المراحل».


تقييم الخبراء والأكاديميين

وللوقوف عند رأي بعض الأكاديميين والخبراء في منتدى هذا العام وتقييمهم له، التقت «كوردستان بالعربي» الدكتور فراس إلياس، أستاذ الاستراتيجية والأمن الوطني، الذي أكد أن إقليم كوردستان استطاع بناء «دبلوماسية ناعمة فاعلة» من خلال استضافة هذه المنتديات الدولية المتخصصة. وأشار إلى أن «المشاركة الدولية الواسعة تعكس ثقة المجتمع الدولي بأن إقليم كوردستان يمثل نقطة مضيئة في الشرق الأوسط».

أما الخبير القانوني الدكتور حمدي سنجاري فرأى بدوره أن خطاب الرئيس مسعود بارزاني يشكل «إطاراً دستورياً واضحاً» للعملية السياسية المقبلة في العراق، معتبراً إياه «خارطة طريق ملزمة أخلاقياً ودستورياً للحكومة المقبلة».

ختاماً

شكّل المنتدى خطوة مهمة في تعزيز دور إقليم كوردستان كشريك دولي موثوق في جهود السلام الإقليمية. وجسدت النقاشات واللقاءات التي شهدها المنتدى رسالة واضحة مفادها أن التعاون بين أربيل وبغداد ليس خياراً، بل ضرورة حتمية لاستقرار العراق والمنطقة. كما أكد المنتدى أن الحوار والشراكة الحقيقية هما الطريق الوحيد لمواجهة التحديات وبناء شرق أوسط جديد ينعم بالسلام والاستقرار.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved