من المأساة إلى النفوذ..القوة الناعمة وتشكيل مكانة كوردستان
من المأساة إلى النفوذ..القوة الناعمة وتشكيل مكانة كوردستان

شهدت العقود الأخيرة تحولاً جوهرياً في فهم مصادر النفوذ الدولي، بظهور مفهوم «القوة الناعمة» الذي أعاد تشكيل معادلات العلاقات بين الدول. صاغ هذا المصطلح الأكاديمي الأمريكي جوزيف ناي، ليشير إلى قدرة الدول والكيانات على تحقيق أهدافها المرجوة عبر الجذب الثقافي والإقناع بدلاً من أدوات الإكراه أو القوة.

القوة الناعمة هي ببساطة فن كسب القلوب والعقول وتعزيز المصالح من خلال بناء الثقة وتشجيع التعاون.

ورغم أن تعريف القوة الناعمة ما زال يحمل جدلاً واختلافاً بين الأكاديميين وصانعي السياسات، إلا أن جوهرها أصبح أكثر أهمية في عالمنا اليوم، المترابط، والمدفوع بالتكنولوجيا، والديمقراطية. وعلى عكس القوة الصلبة - القوة العسكرية أو الإكراه الاقتصادي - تزدهر القوة الناعمة بفضل الثقافة والقيم والدبلوماسية والمصداقية. ورغم أن القوة الناعمة لا تكفي لوحدها دائماً، فإن دمجها مع الرؤية الاستراتيجية، يمكن أن يقود الى تشكل عميق للتصورات والقرارات العابرة للحدود.

أما بالنسبة للجهات الفاعلة شبه الدولية - وهي كيانات تفتقر إلى السيادة الكاملة أو القدرة على استخدام القوة الصلبة - فغالباً ما تكون القوة الناعمة هي الأداة الوحيدة الفعالة لضمان البقاء والاستقرار. ولا يمكن لهذه الجهات الاعتماد على الجيوش أو السلطة القسرية، ومع ذلك يمكنها تعزيز نفوذها من خلال إبراز ثرائها الثقافي وقيمها الإنسانية وموثوقيتها السياسية. 

وفي رقعة الشطرنج المعقدة للعلاقات الدولية، تتيح القوة الناعمة للجهات الفاعلة الأصغر جذب حلفاء أقوياء، واكتساب الشرعية، وحماية مصالحها.

يُقدم إقليم كوردستان العراق مثالاً واضحاً على كيفية قدرة كيان سياسي شبه دولي على تسخير القوة الناعمة لبسط نفوذه في الشرق الأوسط. لقد واجه الشعب الكوردي على مرّ التاريخ تهديدات وجودية من قوى داخلية وخارجية. لكن كوردستان استطاعت رغم  هذه التحديات، أن تلفت انتباه الدول الغربية، التي غالباً ما نظرت إليها باعتبارها قضية إنسانية في المقام الأول.

خلال حملة الأنفال في أواخر ثمانينات القرن الماضي، استحوذت محنة الكورد على بعض التعاطف العالمي. وفي عام 1991، عقب حرب الخليج، والهجرة المليونية لكورد هرباً من القمع البعثي، أنشأت الولايات المتحدة وحلفاؤها منطقة حظر جوي لحماية المدنيين الكورد. وكان هذا تدخلاً إنسانياً تاريخياً أبرز الأهمية الاستراتيجية والأخلاقية للمنطقة.

وبعد أكثر من عقد من الزمان، شكّل تحرير العراق من النظام البعثي الدكتاتوري بقيادة الولايات المتحدة عام 2003 نقطة تحول كبرى، فقد تبنى القادة الكورد الديمقراطية والإصلاح، وتحالفوا بشكل وثيق مع واشنطن. تعمّقت هذه الشراكة مع صعود داعش عام 2013، وذلك باضطلاع قوات البیشمرگة‌ بدور حاسم في هزيمة أكبر جماعة إرهابية بحلول عام 2017. فتحوّلت طريقة تناول الأمر، ولم تعد قضية كوردستان مجرد قضية إنسانية، بل أصبحت لاعباً سياسياً ذا نفوذ ملموس.

أقامت شركات نفط أمريكية عملاقة، مثل «أيتش كي إن» (HKN) للطاقة و«هانت أويل»، عمليات في المنطقة، مما يشير إلى قيام ترابط اقتصادي. وفي الوقت نفسه، أثبت الدعم العسكري الأمريكي - وخاصةً القوات الجوية - أهميته الحيوية في حماية كوردستان من التهديدات الوجودية. وسلّطت هذه العلاقة الثنائية بين الأمن والتجارة الضوء على المصالح المشتركة التي تربط أربيل وواشنطن.

ولاقت صداقة وموثوقية القيادة الكوردية لدى الولايات المتحدة بالمثل في مناسبات عديدة. ففي منطقة مضطربة تتسم بالتحالفات الهشة، نجح الكورد في إقناع واشنطن بأن منطقتهم الصغيرة شبه المستقلة يمكن أن تكون شريكاً أكثر موثوقية من بعض الدول ذات السيادة الأكبر. ومن خلال موازنة احتياجاتهم الأمنية مع المصالح الاستراتيجية لأمريكا، رسّخ الكورد مكانتهم كحلفاء لا غنى عنهم.

وقد تُوِّجت هذه الثقة بحدثٍ رمزيٍّ بارز: ففي الثالث من ديسمبر / كانون الأول 2025، افتتحت الولايات المتحدة أكبر قنصلية لها في العالم في أربيل. وهذه القنصلية، أكثر من مجرد مبنى، فهي تُجسِّد عقوداً من العلاقات الكوردية - الأمريكية المستقرة، واعترافاً بأربيل كأحد أكثر المواقع أماناً وأهميةً استراتيجيةً في الشرق الأوسط. ولم يكن القرار عفوياً، بل كان نتاجاً لدبلوماسية كوردية متماسكة وسياسات قوة ناعمة.

بعيداً عن الاعتبارات الجيوسياسية، برهنت كوردستان على قوتها الناعمة من خلال الانفتاح الإنساني. فقد استقبل الإقليم خلال حرب العراق عام 2003 آلاف النازحين المدنيين من مناطق أخرى في البلاد، ولا يزال الكثير منهم موجودين حتى اليوم. وفي عام 2014، عندما استولى تنظيم داعش على الموصل، فرَّ عشرات الآلاف من الأيزيديين والمسيحيين والعرب العراقيين إلى كوردستان، حيث وجدوا ملاذاً آمناً.

فعزَّز تقليد الضيافة هذا صورة كوردستان كأرض للتعايش ولاحترام حقوق الأقليات. كما عززت الحماية القانونية للمرأة والأقليات والتنوع الثقافي من سمعتها الطيبة. وهكذا رسّخت كوردستان، بتجسيدها القيم الذي يحظى بإعجاب المجتمع الدولي، صورةً من الاستقرار والشمولية جذبت اهتماماً دبلوماسياً واقتصادياً متنامياً.

وكانت نتائج استراتيجية القوة الناعمة هذه واضحة. فعلى مدار العقدين الماضيين، أقامت 31 دولة بعثات دبلوماسية رسمية في إقليم كوردستان، من ضمنهم لاعبون عالميون رئيسيون مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين، وتركيا، وإيران.

اقتصادياً، أصبح الإقليم مركزاً للاستثمار الأجنبي، فقد وصل عدد الشركات الأجنبية العاملة في كوردستان لغاية مايو 2025 إلى 3661 شركة، مما يدل على جاذبيتها المتزايدة كبيئة أعمال. وتستمر هذه الأرقام في الارتفاع، الأمر الذي يعكس الثقة في استقرار الإقليم وانفتاحه.

وتتجاوز القوة الناعمة لكوردستان حدود السياسة والاقتصاد لتشمل المجال الفكري. وقد برز منتدى السلام والأمن في الشرق الأوسط المقام سنوياً في دهوك كأحد أهم التجمعات في العراق والشرق الأوسط عموماً. ففي كل عام، يجتمع مئات القادة والعلماء وصانعو السياسات العالميين لمناقشة القضايا الإقليمية والدولية الملحة.  ومن خلال استضافة مثل هذه الفعاليات، تعمل كوردستان على تعزيز مكانتها كمنصة للحوار والسلام والابتكار، مما يعزز مصداقيتها على الساحة العالمية.

تُبيّن مسيرة إقليم كوردستان كيف يُمكن للقوة الناعمة أن تُحوّل كياناً شبه دولي مفتقراً لعناصر القوة التقليدية إلى شريكٍ مُحترمٍ في الشؤون العالمية. فمن خلال الجمع بين الانفتاح الإنساني والتنوع الثقافي والتواصل الدبلوماسي والتوافق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ضمنت كوردستان البقاء والنفوذ.

وفي شرق أوسطٍ اشتُهرَ غالباً بالصراع وعدم الاستقرار، تُبرز كوردستان كحالةٍ تُبيّن كيف يُمكن للجذب والإقناع والمصداقية أن تُحقق ما لا تستطيع القوة وحدها تحقيقه. إن كوردستان أقوى تعني وجوداً أمريكياً أقوى في المنطقة، والعكس صحيح.

وفي نهاية المطاف، يُثبت نجاح الإقليم أن القوة الناعمة ليست مجرد مفهومٍ أكاديمي، بل هي أداةٌ عمليةٌ للمرونة والشرعية والتقدم.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved