مياه الرافدين في موازين النفط والجيوبوليتيك
مياه الرافدين في موازين النفط والجيوبوليتيك

في يوم الأحد الموافق 2 تشرين الثاني 2025 ، وتحت رعاية رئيس الوزراء العراقي، السيد محمد شياع السوداني، جرت في بغداد مراسم توقيع الآلية التنفيذية لاتفاقية الإطار للتعاون في مجال المياه بين جمهورية العراق والجمهورية التركية. تم التوقيع على الاتفاقية من قبل وزير الخارجية العراقي، السيد فؤاد حسين، ووزير الخارجية التركي، السيد هاكان فيدان، بحضور عدد من المسؤولين من كلا البلدين.

الهدف المعلن من هذه الآلية التنفيذية هو توطيد التعاون الثنائي في إدارة الموارد المائية المشتركة. كما يهدف إلى تطوير آلية عادلة ومستدامة لاستخدام المياه بين البلدين، بما يضمن الأمن المائي للعراق ويعزز العلاقات الثنائية في مجالات التنمية المستدامة والبيئة.

الخلفية التاريخية والجغرافية

أما الجذور الأساسية للنزاع فتكمن في الجغرافيا الطبيعية للمنطقة؛ إذ ينبع كل من نهري دجلة والفرات من المناطق الجبلية الواقعة في جنوب وجنوب شرقي تركيا (شمال كوردستان). فيعبر نهر الفرات الأراضي السورية ثم يدخل إلى العراق، أما نهر دجلة، فإنه بعد مغادرته الحدود التركية، يشكل الحدود بين العراق وسوريا لمسافة معينة قبل أن يدخل الأراضي العراقية.

وقد أفضى هذا الواقع الجغرافي إلى منح تركيا، بصفتها دولة المنبع، قدرة تحكم استراتيجية كبيرة في كمية وتوقيت تدفق المياه، في حين أن سوريا والعراق، بوصفهما دولتي مصب، تعتمدان بشكل مصيري على المياه التي تدخل أراضيهما عبر حدودهما.

رؤى متعارضة للقضية

تتعارض الرؤى القانونية والسياسية بين الدول المتشاطئة لحوض نهري دجلة والفرات بشكل جوهري. فتركيا تعتبرهما «مياهاً عابرة للحدود» وليسا «مجريين مائيين دوليين». ووفقاً لهذا التفسير، تعد المياه ثروة طبيعية لتركيا، ولها كامل الحق في استثمارها لمشاريعها التنموية، من دون أن تكون ملزمة قانوناً بتخصيص حصة محددة لدول الجوار / المصب.

في المقابل، تستند دولتا العراق وسوريا إلى مبدأ «الحقوق التاريخية المكتسبة» والقانون الدولي، معتبرتين أن هذين النهرين دوليان ويجب تقاسمهما بشكل عادل ومنصف، مع الأخذ بعين الاعتبار احتياجات جميع الأطراف. لا سيما العراق، الذي قامت حضاراته القديمة وازدهرت على ضفاف هذين النهرين، فإنه يؤكد بشكل خاص على هذا الحق التاريخي.

خلو الاتفاقية من البنود القانونية

على الرغم من أن الجانب العراقي، الذي صنف ملف المياه قضية «سيادية» تحت الإشراف المباشر لرئاسة مجلس الوزراء، قد طالب بزيادة الإطلاقات المائية إلى ما يقارب 500 متر/ مكعب في الثانية، إلا أن الاتفاقية تخلو من أي بند قانوني ملزم يتعلق بتحديد حصة مائية ثابتة ومضمونة. وبدلاً من ذلك، أبدت تركيا استعدادها «للتعاون» والتعامل مع أزمة شح المياه باعتبارها «تحدياً إقليمياً»، وهذا أمر من شأنه إبقاء الباب مفتوحاً لمفاوضات مستقبلية.

ويعد توقيع «الآلية التنفيذية» في 2 تشرين الثاني 2025 خطوة عملية مهمة لترجمة هذا الإطار العام إلى مشاريع مجسدة على أرض الواقع، وتأسيس لجان فنية مشتركة لمراقبة تفاصيل التنفيذ. ورغم أن هذه الاتفاقية تعتبر تقدماً دبلوماسياً وخطوة نحو «حسن الجوار» و«المساواة»، إلا أن التحدي الرئيسي في المستقبل سيتمثل في كيفية مراقبة الالتزامات وترجمة النوايا الحسنة إلى زيادة فعلية في الحصة المائية لإقليم كوردستان والعراق، لا سيما أن المشكلة الجوهرية، المتمثلة في غياب حصة مائية محددة وقانونية، لا تزال عالقة.

من سلاح عقابي إلى «منعش» للعلاقات

من الناحية الجيوسياسية، تحوّل هذه الاتفاقية ملف المياه من كونه سلاحاً عقابياً (كان يستخدم سابقاً بالتزامن مع قضايا الأمن والعمليات العسكرية.... الخ) إلى قناة لإنعاش العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية. وهذا يخلق اعتماداً استراتيجياً متبادلاً؛ فالعراق يمول مشاريع البنية التحتية المائية عبر عائدات النفط والتجارة، بينما تتولى الشركات التركية تنفيذ تلك المشاريع. وهذا النهج بإمكانه التقليل من الضغوط السياسية على المدى القصير، لكن على المدى الطويل، يربط القرار العراقي بشكل أكبر بالتقلبات السياسية والاقتصادية.

وعلى الصعيد الإقليمي، تظهر هذه الخطوة قدرة تركيا، كدولة منبع، على تحويل المياه إلى أداة اقتصادية وسياسية فعالة. وفي الوقت نفسه، تكشف الخطوة عن رغبة العراق في استغلال علاقاته لحل أزمة داخلية قاتلة، وهو ما سيكون له تداعيات على علاقاته مع إيران، وحتى على الصعيد الداخلي مع إقليم كوردستان.

إجراءات للاستفادة من الاتفاقية

لذا، ولكي يتمكن العراق من تحقيق أقصى استفادة من هذه الفرصة، ينبغي عليه اتخاذ حزمة من الإجراءات العملية المتكاملة؛ إذ يتوجب عليه الإصرار على الشفافية وتبادل البيانات اليومية والشهرية لتدفقات المياه تحت إشراف طرف ثالث دولي، مع اقتراح «مرحلة اختبار» تلتزم فيها تركيا لفترة محددة بإطلاق كمية معينة من المياه لتحويل «النوايا الحسنة» إلى «إجراءات قابلة للقياس». وبالتوازي مع هذه الجهود الخارجية، من الضروري العمل داخلياً على إدارة الطلب وتقليل الهدر المائي، وتشكيل لجنة وطنية عليا لمتابعة الاتفاقية بمشاركة ممثلين عن إقليم كوردستان والمحافظات المتضررة لضمان شمولية المتابعة. فبدون هذه الخطوات المترابطة، يظل الخطر قائماً في أن يبقى هذا الإنجاز الدبلوماسي مجرد حبر على ورق، وألا يتحول إلى حل حقيقي لأزمة المياه في العراق.

جوانب إيجابية وأخرى سلبية

تعد اتفاقية الإطار بين العراق وتركيا في مجال المياه بمثابة سيف ذي حدين، إذ تنطوي على مجموعة من الفرص الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته، على مخاطر جوهرية بالنسبة للعراق وإقليم كوردستان.

تتمثل الجوانب الإيجابية والقوية لهذه الاتفاقية في أنها، ولأول مرة، تحوّل صراعاً سياسياً امتد لعقود إلى تعاون عملي، وتوفر منصة قانونية وفنية للحوار وتبادل المعلومات الدقيقة حول مستويات إطلاق المياه وأساليب إدارة الموارد. ويشكل هذا الأمر فرصة مهمة لتحسين الأمن المائي الداخلي عبر تنفيذ مشاريع لحصاد المياه واستصلاح الأراضي بدعم مالي وخبرة فنية من تركيا، مما قد يساهم نسبياً في تخفيف أزمة شح المياه خلال فصل الصيف وسنوات الجفاف.

وفي الوقت نفسه، تعزز الاتفاقية العلاقات الاقتصادية والفنية وتفتح آفاقاً استثمارية لتركيا في البنية التحتية للمياه، مع تأسيس آليات مشتركة للمراقبة والشفافية، وهو ما يعتبر خطوة إيجابية نحو الإدارة المشتركة.

في المقابل، فإن نقاط الضعف جدية ومصيرية ولا يمكن تجاهلها. وتتمثل الفجوة الأساسية ونقطة الضعف الرئيسية في الاتفاقية في غياب أي التزام محدد وملزم قانوناً بشأن ضمان حصة مائية ثابتة للعراق. وهذا يجعل الفائدة الحقيقية والأمن المائي العراقي مرهونين بحسن النوايا والقرارات السياسية اللحظية لأنقرة، لا بحق قانوني مضمون.

كما أن الاعتماد على الميزانيات والشركات التركية يخلق خطر التبعية الاقتصادية والسياسية، مما قد يقيد يد العراق في ملفات أخرى مستقبلاً. علاوة على ذلك، توجد مخاطر بيئية ومائية. فبدون رقابة دقيقة، قد يكون للمشاريع التركية تأثير سلبي على جودة المياه الواردة، كزيادة نسبة الملوحة والتلوث، مما يضر بالأراضي الزراعية.

وعلى الصعيد الداخلي، يمثل ضعف القدرة المؤسسية للعراق على إدارة وإصلاح المشاريع الجديدة، واحتمال نشوء خلافات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان حول آليات التنفيذ وتوزيع المياه، تحديات كبيرة قد تقلل من فوائد الاتفاقية.

دور حكومة إقليم كوردستان

أما مهمة حكومة إقليم كوردستان في هذه المرحلة الحساسة، تتمثل في اتباع سياسة ذكية مزدوجة ومتعددة الأبعاد. فمن جهة، يجب أن تصبح بشكل فاعل ورسمي جزءاً أساسياً ضمن إطار الجهود الوطنية العراقية؛ وذلك من خلال المشاركة المؤثرة في الوفود التفاوضية، وتقديم البيانات والمعلومات الدقيقة لتعزيز الموقف التفاوضي العراقي، وتوحيد الخطاب في مواجهة تركيا بما يحفظ المصالح العليا للبلاد.

وفي المقابل، ومن جهة أخرى، من الضروري أن يستخدم الإقليم قنواته الدبلوماسية والاقتصادية الخاصة مع أنقرة لضمان حصته المستحقة من المشاريع المشتركة التي نص عليها الاتفاق، وفي الوقت نفسه، طرح ملف المياه مع إيران وحجزها لمياه رافدي سيروان (ديالى) والزاب الأسفل كجزء لا يتجزأ من أمن المياه في الإقليم والعراق. وإلى جانب هذه الجهود الخارجية، تبرز مهمة داخلية أكثر أهمية تتمثل في تعزيز منظومة إدارة المياه في الإقليم، وذلك عبر تسريع وتيرة العمل في مشاريع بناء السدود، وسن قوانين صارمة للحد من الهدر، وحماية الموارد المائية من التلوث.

باختصار، مهمة الإقليم لا تقتصر على انتظار النتائج، بل يجب أن يتحول إلى لاعب رئيسي يعمل كشريك قوي مع بغداد لتحصيل الحقوق الوطنية من جهة. ويقوم، بصفته صاحب مصلحة مباشر، بترسيخ حقوقه واحتياجاته الخاصة ضمن المعادلة الجديدة من جهة أخرى.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved