في استوديو هادئ بأحد أحياء باريس، لا تنبعث رائحة الأوراق أو الكيماويات المعتادة في معامل التصوير، بل تفوح رائحة الغبار والزمن. هنا، ينحني علي أركادي فوق لوح من الحجر الجيري، ليس لاستخراج تمثال، بل لـ«دفن» صورة. إنه لا يطبع مشاهد الحرب والنزوح التي التقطها على ورق، بل ينقشها بالضوء على سطح أحجار ضاربة في القدم، ربما لأنه لم يعد يثق بخلود الورق، أو لأن ذاكرة الحجر أصدق. في هذا الفعل الغريب، حيث تلتقي العدسة الحديثة بصرخة الحجر الصامتة، يكمن جوهر رحلته: البحث عن وعاء أمين لشهادات إنسانية هشة، كادت تضيع بين ركام الحرب ونسيان العالم. إنها محاولة لإعطاء جسد دائم للوجوه التي التقطتها كاميرته، وتحويل اللحظة العابرة إلى أثرٍ لا يُمحى.
الصور: سفين حميد
الجذور والانطلاق
تعود جذور هذه الرحلة إلى مدينة خانقين الحدودية، حيث نشأ هناك، واختبر مرارة النزوح مبكراً تحت وطأة نظام البعث، ثم عاد إلى مدينته بعد سقوط النظام عام 2003 ليجد دوامة عنف جديدة. وفي خضم هذه الفوضى، وقعت بين يديه كاميرا صغيرة، فتحولت من أداة تقنية إلى بوصلة أخلاقية التقط بها ما كان يختفي بسرعة: تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة الاحتلال. كانت هذه العدسة أول حجر أساس في بنائه لوعيٍ جديد، حيث أصبحت الصورة مسؤوليةً والتوثيق واجباً بالنسبة له قبل أن تكون مهنة.
الصحفي الشاهد
لم يكن أركادي مُراقباً من بعيد، بل غاص في قلب العاصفة. على مدى عقدين، شارك خطى النزوح العراقي والسوري، محوّلاً عدسته إلى عين تؤرشف للخراب وأذن تسمع همسات المنسيين. تجاوزت صوره الحدث الصحفي العابر إلى سرديات إنسانية عميقة: فوثّق كدح العمال في السليمانية، ووجوه العائلات المهمشة الهاربة من بطش الحرب، وصرخة الإيزيديين في سنجار، ويوميات مقارعة الإرهاب والإرهابيين. حوّل كاميرته إلى شاهد إثبات للألم والجريمة والقهر بأشكاله، حولّ الآلة الصمّاء إلى صديق صدوق ونصير للضحايا، وهذه الحميمية وضعته وكاميرته أمام فوهة المدفع وقلّصت خياراته إلى خيار واحد ألا وهو الهرب. وفي لحظةٍ خاطفة، جمع أرشيفه البصري أو كنزه الثمين ثم غادر مسرعاً قبل أن يبتلعه الخطر؛ يمشي وهو يشعر بأنه يحمل عمراً كاملاً على كتفيه.

الاعتراف الدولي
لم تذهب شهادات أركادي سدىً. فقد انتقلت صوره من ميادين المعاناة إلى قاعات العرض العالمية، حاملةً معها صدى الحقائق المرة. عن ذلك يقول لمجلة «كوردستان بالعربي»: «لم تكن الجوائز المرموقة، مثل بايو أو لقب المراسل الأكثر صموداً، مجرد تكريم شخصي، بل اعترافاً بقيمة تلك القصص المهمشة». وأضاف «عندما عرضت أعمالي في بينالي البندقية أو قصر طوكيو، لم يكن الفن يغازل الجمالية فحسب، بل كان يستدعي الضمير. كما أن دخول إحدى لوحاتي إلى المجموعة الدائمة لـ(البوزار) في باريس كان إعلاناً بأن شهادتي باتت جزءاً من الذاكرة الفنية العالمية».
كان هذا الاعتراف تثبيتاً لوجهة نظر مؤلمة مفادها أن فن المقاومة والإصرار قد وجد موطئ قدم في خريطة الثقافة الرسمية.

التحول الثوري
ولكن التحول الأكبر في مساره جاء عام 2019 عندما بدأ يدرس في مدرسة الفنون الجميلة في باريس، وصادف مجموعة من أحجار المونوليث التي يتجاوز عمرها 300 عام وكانت المدرسة بصدد التخلص منها. فشعر أنها ليست مجرد أحجار مهملة، بل أجساد تحمل زمناً طويلاً وشاهد صامت على تاريخ لا يمكن رؤيته مباشرة. هذا الاكتشاف دفعه إلى إدخال الحجر في أعماله للمرة الأولى.
هناك، بين الأحجار الكلسية المهملة التي تتجاوز أعمارها القرون، وجد ضالته. لم يرَ «مونوليثات» للرسم، بل رأى فيها أجساداً صامتة تحمل ذاكرة العالم. منها ولدت تقنيته الفريدة «المونوليثوغرافي». لم يعد ينقل صوره إلى ورق، بل يحفرها ضوئياً على سطح الحجر القديم. ويقول موضحاً: «في هذه العملية أردت الدمج بين زمنين: زمن الألم الفردي الهش المحفوظ في الصورة، وزمن الأرض البطيء المُعّمر. وهكذا، تتحول شهادة اللحظة إلى أحجية أثرية، ويصبح الحجر شاهداً على من كادوا يغيبون».

في النهاية، يظل جوهر مشروع علي أركادي واحداً رغم تعدد الوسائط: التشبث بالذاكرة. سواء من خلال عدسة كاميرا في مخيم نزوح، أو عبر نقش ضوئي على حجر في باريس، فهو يصارع النسيان. الفلسفة واحدة؛ إعادة الإنسان المنسي إلى مركز الصورة حيث يستحق. يواصل اليوم تطوير أفلامه الوثائقية عن اللجوء، وإرشاد جيل جديد من الفوتوغرافيين، وإنتاج أعماله الحجرية. كل هذه المسارات تتقاطع عند نقطة الإيمان بأن الصورة ليست انعكاساً للواقع فحسب، بل أداة لإعادة بنائه أخلاقياً ومنحها صلابة كصلابة الحجر.