تشتهر منطقة زاويتة في محافظة دهوك بمصايفها وكثافة غاباتها الصنوبرية، وهي تعتبر منطقة جذب للسياح من مختلف مناطق العراق وإقليم كوردستان، وتحتفظ هذه الغابة بمكانة خاصة لدى أهالي زاويتة الذين يؤدون دوراً كبيراً في حمايتها.
تحيط بلدة زاويتة القديمة، 15 كلم شمال مركز محافظة دهوك، غابةٌ كثيفة بأشجار الصنوبر الوارفة الظلال التي تمنح المكان منظراً خلاباً وأجواءً منعشة ومعتدلة صيفاً.
بين أهالي زاويتة وشجرة الصنوبر علاقة متجذرة، إذ تُعد غابة الصنوبر لسكان هذه البلدة الصغيرة رئة كبيرة تغذي أجسادهم بالأوكسجين النقي، كما أن هذه الغابة جعلت من البلدة وجهة سياحية يقصدها يومياً العشرات من مختلف مناطق إقليم كوردستان والعراق، ويدرك أهالي هذه البلدة جيداً مسؤوليتهم تجاهها لحمايتها من الحرائق والمخاطر باعتبارها أحد المصادر المهمة لحياتهم ومعيشتهم. وتُقدر مساحة غابة زاويتة بأكثر من 3 آلاف دونم وتصل أعمار بعض أشجارها إلى مئات السنين وترتفع هذه المنطقة 885 متراً فوق مستوى سطح البحر، وأقصى درجة للحرارة فيها صيفاً لا تتجاوز 39 درجة. أحمد جميل، شاب من أهالي زاويتة، يقضي معظم أوقاته متطوعاً للاهتمام بغابة زاويتة وبيئتها وحمايتها من المخاطر. يتجول عدة مرات أسبوعياً في أرجاء الغابة عبر ممراتها المتشابكة والوعرة والمظلمة في بعض الأماكن التي قد يتيه الزائر فيها عندما يتجول فيها لأول مرة.
أحمد أنشأ مساراً خاصاً بالمشي للمسافات الطويلة بطول 11 كيلومتراً داخل الغابة، ووضع على جانبي المسار علامات تدليلية وتحذيرية. ويهدف المسار إلى تشجيع رياضة المشي وسط الغابة موضحاً لـ«كوردستان بالعربي» أن «المشروع هو الأول من نوعه في العراق».

"تُقدر مساحة غابة زاويتي بأكثر من 3 آلاف دونم وتصل أعمار بعض أشجارها إلى مئات السنين"
وتشكل غابة زاويتة منظومة إيكولوجية، فبالإضافة إلى احتضانها آلاف أشجار الصنوبر، تحتوي على أكثر من ثلاثين عيناً طبيعياً للمياه وأنواع النباتات والزواحف، وتعد موئلاً للكثير من الحيوانات والطيور البرية المستوطنة والمهاجرة. وخلال جولاته المتواصلة داخل الغابة، تمكن أحمد جميل من التقاط عدة صور ومقاطع فيديوهات توثق وجود الحيوانات البرية في هذه الغابة مثل الذئاب والثعالب والأرانب والمعز والقنافذ وأنواع من الطيور المهاجرة منها، طائر اللقلق والدجاج المائي والنسر الذهبي، فضلاً عن الطيور المتوطنة في إقليم كوردستان. منذ أكثر من 25 سنة يهتم أحمد جميل، الذي أعدّ بحوثاً علمية عن بيئة غابة زاويتة، ويدرك جيداً أهميتها بالنسبة له شخصياً ولسكان بلدته، مما دفع به لتنظيم نشاط أسبوعي في غابة زاويتة لجذب اهتمام المواطنين بأهمية الغابات ودورها في حياة الإنسان، قائلاً إن «أهالي زاويتة أكثر سعادة ويتمتعون بصحة جيدة مقارنة بالمناطق الأخرى بسبب هوائها النقي والكميات الكبيرة للأوكسجين المتدفق من الغابة، فضلاً عن جمالها الخلاب». ويحرص أحمد على حماية أشجار الغابة من الحرائق والمخاطر الأخرى كبقية سكان بلدته زاويتة الذين يهبّون معاً حال مواجهة الغابة لأي خطر. ويعد أشجار صنوبر زاويتة من نوع Pinus brutia وينتمي من ناحية الجغرافيا النباتية إلى الجزء الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط، وهي شجرة متوسطة الحجم يصل طولها إلى 20 - 35 متراً ويصل قطر جذعها إلى نحو متر واحد. «غابات زاويتة تتمتع بأهمية بيئية ومناخية كبيرة»، يقول خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية وتغيير المناخ رمضان حمزة لـ«كوردستان بالعربي»، مضيفاً أن «شجرة الصنوبر تفرز الزيوت الطيارة التي تعمل على تنقية الجو من الجراثيم والملوثات، مما يجعل الهواء في المنطقة أنقى وأفضل للصحة، وتحمي التربة من التآكل والانجراف ودعم التنوع البيولوجي وتعديل المناخ المحلي، مما يخلق بيئة ملائمة للحياة البرية والبشر على حد سواء، وبالتالي دعم السياحة البيئية مما يعزز الاقتصاد المحلي عبر الحفاظ على الموارد الطبيعية والثقافية». وتقدر مساحة الغابات الطبيعية في عموم محافظة دهوك بنحو مليون دونم، فيما تقدر مساحة الغابات الاصطناعية 8500 دونم. وتعمل الدوائر الزراعية في محافظة دهوك على تطوير الغابات الطبيعية والاصطناعية وحمايتها من الحرائق واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتجاوزين على الغابات، فضلاً عن توزيع شتلات الأشجار بأنواعها، بما فيها صنوبر زاويتة، على المواطنين مجاناً لتكثيف زراعتها في جميع الأماكن، وفق ما أكده مدير غابات محافظة دهوك كاوه صبري لـ«كوردستان بالعربي»، الذي أضاف قائلاً: «نعمل على زيادة من خلال زراعة مئات الآلاف من شتلات أشجار الصنوبر وغيرها من الأشجار سنوياً»، مشيراً إلى الأهمية الكبيرة لشجرة الصنوبر في الحفاظ على البيئة، كونها تقاوم الظروف المناخية وتحافظ على التربة فضلاً عن أنها تدخل في صناعات الأسمدة والأصماغ وبعض المواد الطبية. وبين صبري أن دائرته تخطط لتوسيع مساحات الغابات الاصطناعية وحماية الغابات الطبيعية من المخاطر والحرائق. «غابة زاويتة هي الرئة التي نتنفس من خلالها الهواء النقي» يقول الثلاثيني سربست حميد لـ«كوردستان بالعربي»، الذي كان في زيارة إلى زاويتة مع عائلته للاستمتاع بأجوائها الهادئة والجميلة. ولا تمثل هذه البقعة الجغرافية غابة لأشجار الصنوبر، فحسب، بل هي بمثابة ذاكرة حية لأهالي هذه البلدة التي ترتبط بالكثير من الأحداث والذكريات والمواقف الاجتماعية في حياة سكان زاويتة.