يعمل عدد من أساتذة جامعة حلبجة، إلى جانب مختصين آخرين، على مشروع لتوثيق وأرشفة المعلومات المتعلقة بالإبادة الجماعية التي تعرضت لها مدينة حلبجة نتيجة قصفها بالأسلحة الكيمياوية.
المشروع، الذي يتخذ من موقع إلكتروني منصة له، يهدف إلى تدويل هذه الفاجعة، ويضم معلومات شاملة عن الضحايا والشهود، إلى جانب الصور والفيديوهات وتاريخ المدينة.
من جانبها، أيّدت وزارة الشهداء والمؤنفلين في حكومة إقليم كوردستان المشروع، واعتبرته خطوة مهمة نحو تدويل الجرائم التي تعرّض لها الشعب الكوردي.

تسجيل أكثر من 2500 شهيد
تُعرف حلبجة، الواقعة بالقرب من الحدود العراقية - الإيرانية، بـ«هيروشيما كوردستان»، بعدما قصفها نظام صدام حسين بالأسلحة الكيمياوية في 16 آذار 1988، ما أدى إلى استشهاد أكثر من خمسة آلاف مدني وجرح آلاف آخرين.
في السنوات الأخيرة، بادر فريق أكاديمي إلى توثيق أسماء الضحايا والشهود وجمع كل ما يتعلق بالمأساة.
وقال رئيس لجنة توثيق الإبادة الجماعية في حلبجة وأستاذ التاريخ نريمان عبد الله، في تصريح لمجلة «كوردستان بالعربي» إن «الفكرة انطلقت بعد الشعور بوجود فراغ في التوثيق، وبدأ تنفيذ المشروع فعلياً عام 2022 بدعم من أساتذة الجامعة وبموافقة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الإقليم».
وأشار عبد الله إلى أن «مهمة الجامعة لا تقتصر على التعليم وتخريج الطلبة فحسب، بل تشمل كذلك العمل الإنساني وتخفيف العبء عن كاهل الحكومة»، لافتاً إلى أن اللجنة أنشأت موقعاً إلكترونياً يوثق شهادات الناجين، ويضم معلومات تفصيلية عن الضحايا مثل العمر، والحالة الاجتماعية، ومكان الاستشهاد وغيرها».
ويحتوي الموقع الرسمي للمشروع (halabjamemorial.org) على وثائق وصور وفيديوهات، إضافة إلى أبحاث وكتب وقرارات قضائية تتعلق بالجناة، كما يشمل تاريخاً شاملاً للمدينة.
فيما يعمل في المشروع 12 شخصاً، بينهم أساتذة جامعيون ومختصون في تقنيات المعلومات والأرشفة الرقمية.
شهادات الشهود ضمن بحوث التخرج
بعد تأسيس اللجنة، دعت طلبة قسم التاريخ في كلية العلوم الإنسانية بجامعة حلبجة إعداد بحوث تخرج تتضمن مقابلات مع ناجين، لتكون ضمن الشروط الأكاديمية لنيل شهادة البكالوريوس. وقد أُجريت المئات من هذه المقابلات، فقام كل طالب بمقابلة خمسة ناجين لجمع شهاداتهم وتوثيقها للأجيال المقبلة عبر الموقع.
لن ندخر جهداً في سبيل تدويل قضية الإبادة الجماعية التي تعرض لها الكورد، ونعتبر هذا المشروع أحد أهم المشاريع التوثيقية التي تحفظ التاريخ من الضياع
وتحتوي لوحة التحكم (Dashboard) في الموقع على معلومات تفصيلية عن أكثر من 2447 شهيداً وشهيدة، بحسب القائمين على المشروع. وتُعد هذه البيانات مصدراً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ الإبادة، خاصة وأن المشروع مستمر حتى توثيق جميع الضحايا.
رئيس لجنة توثيق الإبادة الجماعية في حلبجة الدكتور نريمان عبدالله
تدويل الفاجعة
سافر أعضاء الفريق المتطوع إلى مدن وبلدان مختلفة بحثاً عن الوثائق والصور والمعلومات، والتقوا بشخصيات ومصورين وإعلاميين وثّقوا فاجعة حلبجة، بهدف تدويل قضيتها.
ويشير القائمون على المشروع إلى أن التوثيق يُنشر بثلاث لغات وهي: الكوردية، والإنكليزية، والعربية قريباً.
ورغم أن حلبجة ليست المدينة الوحيدة التي تعرّضت للهجوم الكيمياوي من قبل نظام صدام حسين، إذ شهدت مناطق أخرى مثل باليسان، وشيخ وَسانان، وسردشت هجمات مماثلة، إلا أن حجم الضحايا والمعاناة كان الأكبر في حلبجة.
في 4 حزيران 2013، أعلنت حكومة إقليم كوردستان حلبجة محافظة، وصوّت برلمان الإقليم على القرار في 5 شباط 2015. ثم صوّت مجلس النواب العراقي، في 14 نيسان 2025، على مشروع قانون استحداث محافظة حلبجة، لتصبح بذلك المحافظة الـ19 في العراق.
دعم رسمي للمشروع
وقال المدير العام لشؤون الشهداء والمؤنفلين في محافظة حلبجة، كامران مصطفى في تصريح لمجلة «كوردستان بالعربي»: «لن ندخر جهداً في سبيل تدويل قضية الإبادة الجماعية التي تعرض لها الكورد، ونعتبر هذا المشروع أحد أهم المشاريع التوثيقية التي تحفظ التاريخ من الضياع، ونؤكد استعدادنا لتقديم كافة التسهيلات اللازمة له ولفريقه».
وأضاف مصطفى أن «جريمة قصف حلبجة بالأسلحة الكيمياوية لا تُنسى، لكن من الضروري كذلك توثيق جرائم الأنفال والضحايا الآخرين في المحافظة».
وفي السياق ذاته، وصف رئيس جمعية ضحايا الهجوم الكيمياوي في حلبجة لقمان عبد القادر المشروع بأنه توثيق محوري لتاريخ المدينة.
وقال عبد القادر في حديث لمجلة «كوردستان بالعربي»: «نحن جزء فاعل من هذا المشروع التطوعي»، ودعا «جميع الشهود إلى الإدلاء بشهاداتهم ومشاركة ما لديهم من معلومات ووثائق». ذلك أن «العديد من الشهود استُشهدوا أو توفوا في السنوات الماضية من دون توثيق إفاداتهم، ما أدى إلى ضياع الكثير من الأدلة».
واستدرك عبد القادر بقوله: «أما الآن، فبفضل هذا المشروع يتم حفظ تلك الشهادات، ويُشجَّع من تبقى على قيد الحياة على الإدلاء بمعلوماتهم».
وختم بالقول إن «التوثيق كان من الواجب أن تتولاه الجهات الرسمية سابقاً، لأنه يلعب دوراً مهماً في تدويل قضية إبادة حلبجة وفضح الجرائم التي ارتُكبت بحق سكانها».