شهدت اللغة السريانية نقلة نوعية في مجال التعليم منذ إطلاق تجربة التعليم باللغة الأم عام 1992، في إقليم كوردستان وتمثل هذه الخطوة بداية مهمة لإحياء التراث اللغوي والثقافي للمكون المسيحي في المنطقة.
تشمل الجهود المبذولة لدعم اللغة السريانية إنشاء مديرية متخصصة بالثقافة والفنون السريانية، وتأسيس متحف التراث السرياني، إلى جانب توسيع نطاق التعليم بهذه اللغة. وقد أسهمت هذه المبادرات في زيادة عدد المدارس التي تقدم التعليم باللغة السريانية وتنمية قاعدة المتعلمين بها.
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مديرية التعليم السرياني في وزارة التربية بإقليم كوردستان إلى أن 7650 طالباً وطالبة يتعلمون حالياً في 33 مدرسة تطبق منهاج اللغة السريانية. وتتوزع هذه المدارس بين محافظتي أربيل ودهوك وإدارة زاخو المستقلة. وتشير التقارير الإعلامية إلى أن أكثر من 200 ألف مسيحي يتحدثون باللغة السريانية كلغة أم.
الصورة: سفين حميد
وفي حديث خاص لمجلة «كوردستان بالعربي»، لفت كلدو رمزي أوغنا، المدير العام للثقافة والفنون السريانية، إلى أن دور المديرية بالاهتمام باللغة الأم تمحور في الكثير من الأنشطة والفعاليات، مشيراً إلى تقديمها مبادرات عديدة للاهتمام بلغة مكون أصيل في هذا البلد، ومنها الاهتمام بإقامة المهرجانات في يوم اللغات العالمي للشعوب الأصيلة الذي يصادف يوم 21 شباط.
كما أن للمديرية مشاريع تُعنى بالطفل من خلال سلسلة من الأغاني الفولكلورية المتخصصة بالأطفال والتي ستُقدم عن طريق الرسوم المتحركة (الأنيميشن)، وهذا سيكون له تأثير كبير لتعليم اللغة لشريحة الأطفال. كما أقامت المديرية المؤتمر (السمبوزيوم) الأول وبرعاية من رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني، والذي حضره أكثر من 54 باحثاً وأكاديمياً من مختلف جامعات العالم منها هارفرد وأكسفورد، وكانت هناك مشاركة لأكثر من 200 شخصية أكاديمية تُعنى بالدراسات السريانية من داخل الوطن، وكان أكبر حدث للدراسات السريانية في إقليم كوردستان والعراق والمنطقة.
كما أضاف أوغنا أن للمديرية مبادرات تدعم فيها الشباب لتعليم اللغة السريانية عبر استخدام وسائل معاصرة، وأيضاً مبادرات لطباعة ونشر كراريس للأطفال تُعنى بدراسة اللغة، لافتاً إلى مهرجان التراث السرياني الذي تقيمه المديرية سنوياً، والذي يمثل تظاهرة جماهيرية، يتم من خلاله إحياء ما تُورَث من الآباء والأجداد من خلال ما يتم عرضه من أعمال يدوية وتراثية.
كلدو رمزي وغنا المدير العام للثقافة والفنون السريانية
وفيما يتعلق بالمنشورات والمطبوعات التي تحرص على نشرها المديرية، قال أوغنا إن للمديرية عدة منافذ إعلامية يتم من خلالها إحياء اللغة، منها مجلة «بانيبال» وهي مجلة فصلية ثقافية بأربع لغات هي السريانية والكوردية والعربية والإنجليزية، تتناول مقالات وقصائد متنوعة، فضلاً عن أهم أخبار ونشاطات المديرية، وأيضاً موقع إلكتروني للمديرية وصفحة خاصة بنشاطاتها وصفحات أخرى على فيسبوك لمديرية متحف التراث السرياني والمكتبة السريانية.
الصورة: سفين حميد
متحف التراث السرياني
أما عن المتحف السرياني، فوصفه مدير الثقافة السريانية بكونه سفيراً للمديرية لأنه «صرح يبرز ما قدمه الآباء والأجداد من ثقافة وفن، إضافة إلى أن متحف التراث السرياني يسهم بنقل موروث الأجداد إلى الأجيال الجديدة من الشباب لكي يستلهموا ما قدمه آباؤهم وأجدادهم من عطاء ليس فقط للمكون بحد ذاته، بل لجميع المكونات المتعايشة معه.
وأضاف أن المتحف يُعرف بتراثهم الثري الذي يميزهم دائماً عن بقية المكونات الكوردستانية، وفي الوقت نفسه يوحدهم مع المكونات لأنه جزء مهم من الثقافة في إقليم كوردستان.
ويستدرك كلدو أوغنا بالإشارة إلى أن دور المديرية العامة للثقافة السريانية ونشاطاتها لا ينحصر فقط في عنكاوا، بل توجد أيضاً في عموم مناطق إقليم كوردستان، ولديهم مديرية في دهوك إلى جانب مديرية متحف التراث السرياني والمكتبة السريانية، ونشاطاتها موسعة وليس فقط في حدود إقليم كوردستان، إذ إن لديهم نشاطات في سهل نينوى ونشاطات خارج العراق، فقد أقاموا العام الماضي لأول مرة المهرجان السرياني للمغترب في لبنان.
وأضاف أن النشاطات والمهرجانات التي تقيمها المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية لا تتضمن فقط الساكنين ضمن حدود إقليم كوردستان، بل تمتد إلى جميع مدن العراق أيضاً. وإضافة إلى ذلك، فهي تعبر الحدود إلى القامشلي بسوريا وهي حاضرة في مهرجانات في لبنان، وهناك أبناء شعبهم من روسيا وأرمينيا وإيران، وتُعتبر هذه المؤسسة الحاضنة الأم التي تجمع أبناء شعبهم من مثقفين وفنانين.
التنوع يتجلى في بناء مجتمع متماسك
كما اعتبر أوغنا أن أهمية التنوع تتجلى في قدرته على بناء مجتمع متماسك. فعندما يكون المجتمع متماسكاً ومتعدداً في آن واحد، فإن الاختلاف يصبح مصدر قوة وليس سبباً للانقسام داخل أي مجتمع. هذا الحال في إقليم كوردستان حيث كان دورهم كبيراً مع المؤسسات الأخرى، وهم شركاء للحكومة وجزء من سياسة حكومة إقليم كوردستان في مجال التنوع.
ورغم حساسية الموضوع، فإن التنوع لدى المديرية العامة هو في صلب اهتمامها ومشاريعها، إذ أقاموا الدورة الثالثة لمنتدى الكتاب المفتوح تحت عنوان «التنوع»، ولديهم مشاركات متعددة في مجال التنوع داخل وخارج الوطن، ويدركون أن التنوع ليس شعارات فقط بل هو عمل حقيقي.
وأحد المشاريع التي يعمل عليها متحف التراث السرياني بالتعاون مع وزارتي الثقافة والتربية هو دعوة المدارس غير السريانية ومنها مدارس كوردية وعربية وتركمانية لزيارة المتحف للاطلاع على تراث الآخرين، وكلما اطلع الآخر على تراث أحد المكونات، عُزز مفهوم التنوع والوحدة.
وفيما يتعلق بالأنشطة المستقبلية، اختتم أوغنا حديثه بالإشارة إلى خطة هذا العام التي تتضمن إقامة مهرجانات في مدنهم وقراهم، منها مهرجان تراثي في قرية أرموطة التابعة لقضاء كويسنجق، وأيضاً نشاطات في قرى دهوك ومعرض الكتاب المفتوح وإقامة مهرجان ثانٍ للمسرح السرياني.
الفنون الدرامية
المخرج المسرحي والتلفزيوني رفيق حنا من عنكاوا، أشار إلى تجسيد اللغة الأم وإحيائها، مؤكداً أن شعبهم العريق يمر من خلال تاريخه القديم ولغته السريانية وتركيبته الأصيلة في جغرافية الوطن بمرحلة تتطلب وقفة واعية واهتماماً مركزاً لتحليلها، بهدف إحياء هويته الأصيلة التي تتعرض للاندثار.
أما عن دور الفن بصورة عامة في تحقيق هذا الهدف والتعايش السلمي أيضاً، فقد أشار حنا إلى أن دور الفنون الدرامية لا يكتمل من دون الإعلام والفنون الأخرى، منها الفنون التشكيلية والفنون الموسيقية والإعلام السرياني المكتوب والمرئي. ومن الواضح أن الثقافة السريانية ليست نشاطاً أو مشروعاً منغلقاً بل هي رسالة سلام وتواصل وتعايش مع الآخر.
وقد ساهم الفنانون والمفكرون من شعبهم في بناء الجسور بين الأديان والقوميات الموجودة في إقليم كوردستان والعراق من خلال الدراما والفنون، وهذا يعني أن «الفن يجمع بين الناس» من خلال ما يمكن تقديمه من قصص التعايش التاريخي بأبعاد إنسانية مؤثرة، إضافة إلى إنتاج مسرحيات ثنائية اللغة تسهم في تعزيز الفهم المشترك والتعاون الثقافي.
الصورة: هدير كوندا
اللغة الأم ليست وسيلة تواصل فقط
الإعلامية أتور أندريوس من دهوك أبرزت أن أهمية اللغة الأم ليست في كونها وسيلة تواصل فقط، وإنما هي جزء من الهوية الثقافية والتراثية والتاريخية، ويجب الحفاظ عليها بالتكلم أو استخدامها في الحياة اليومية وتعليم الأطفال، وخاصة التعليم في المدارس ودعم الإعلام بجميع أقسامه الناطقة باللغة الأم وإحياء التراث بالاحتفال مثل الشعر والغناء والمسرح الشعبي وترسيخ شعار «لغتنا هي وجودنا».
ومع أصوات الناشطين والمسؤولين في إبراز دور الثقافة السريانية، يجدر التذكير بالدور الذي تلعبه المؤسسات والاتحادات والروابط التي تُعنى بنشر اللغة من خلال تضافر جهودها والإسهام في إبراز المبادرات الكفيلة الراعية لديمومة اللغة وتوسيع انتشارها بين أبناء شعبهم.
ولا شك في أن هناك مخاوف من تعثر اللغة وتداولها وقراءتها لأسباب كثيرة، منها تغطية المدارس الأهلية بمناهج إنجليزية وتغطي على الدراسة بالسريانية، واهتمام الأجيال الجديدة بالتكنولوجيا والإنجليزية مما يؤدي إلى عزوف قراءة اللغة السريانية واستعمالها.