شيران قرية كوردية في اللوفر
شيران قرية كوردية في اللوفر
January 18, 2026

على بعد سبع كيلومترات فقط جنوب شرقي كوباني (عين العرب)، وثلاثين كيلومتراً شرق نهر الفرات، لم تكن هذه البلدة الصغيرة التي عُرفت بالكوردية باسم «شێران» (أي الأسود)، حتى تسعينات القرن الماضي سوى قرية، ثم اتسعت مساحتها وزاد عدد سكانها لتصبح ناحية تابعة لكوباني. أما اسمها الآخر «أرسلان طاش»، الذي يعود إلى العهد العثماني، فيعني «الأسود الحجرية».

ويقول الباحث الدكتور نضال حاج درويش في مقدمة الكتاب المعنون «أرسلان طاش» الذي ألفه موريس دانان وثلاثة آخرون من الباحثين الفرنسيين ما يلي:

«تُعَدّ أرسلان طاش أحد أهم المواقع الأثرية في سوريا عموماً وشرق الفرات خصوصاً، لما أظهرته من غنى بالأوابد المعمارية واللقى الأثرية المتنوعة. وأسفرت التنقيبات الفرنسية في الموقع عام 1928 عن اكتشاف أجزاء من سور المدينة مع ثلاث بوابات ومعابد للإلهة عشتار وقصر وأبنية آشورية أخرى، منها البناء المعروف ببيت العاجيات. إضافة إلى مبنى من العصر الهيلينستي الذي بني فوق أنقاض القصر الآشوري».

ويضيف الباحث الدكتور حاج درويش في مقدمة الكتاب الذي ترجمه الأستاذ أحمد حسن وصدر عن دار آفا للنشر عام 2020 «أن التنقيبات استؤنفت بعد انقطاع دام 92 عاماً وقد قامت بذلك بعثة إيطالية بين 2007 و2019 تحت إشراف سيرينا ماريا تشيكيني (Serena Maria Cecchini)، وتم الكشف عن جدارين وطبقتين أثريتين من العصر الآشوري الحديث إضافة إلى قطع الفخار وختمٍ يعود إلى العصر نفسه. ومع ذلك بقي الجزء الأكبر من الموقع غير مكتشف وربما يعود السبب إلى أن جزءاً كبيراً من التل مسكون من قبل سكان القرية».

العاجيات المكتشفة في «أرسلان طاش» تدل على مدى المهارة التي اتسم بها النحاتون والفنانون في ذلك العصر، كما أنها تكشف عن الوجه الحضاري الزاهر لكوردستان التي عاشت فيها شعوب كثيرة

هذه القرية، أو البلدة الصغيرة حالياً، كانت فيما مضى، في العصر الآشوري خاصة، مدينة زاهرة تُسمى «حَداتو». وهناك رأي يقول إن اسم حداتو أطلق عليها تيمناً باسم الإله «حدد» الذي انتشرت عبادته في الهلال الخصيب وأجزاء من بلاد الشام. كما أن هناك من يرى أن الاسم مشتق من الآرامية بمعنى الجديد والحديث.

تشير مفردة «شێران» الكوردية، جمع كلمة «شێر» بمعنى الأسد، إلى الأسود البازلتية الضخمة التي كشفت عنها عمليات التنقيب منذ بدايات القرن الماضي. وإن هذه الأسود الحجرية السوداء، المنحوتة بدون شك من الحجارة البازلتية الموجودة على هضبة «مشتنور» جنوب كوباني، تدل على عظمة الفن الآشوري الذي شهدته تلك المدينة الغابرة.

لكن أهم ما يمكن أن نشير إليه هنا هو مجموعة العاجيات الرائعة المنحوتة بحرفية عالية وحس فني عالي المستوى. هذه العاجيات وجدت طريقها إلى أرقى متاحف العالم، متحف اللوفر في باريس.

وفي مقال «نماذج من عاجيات أرسلان طاش» للمترجم أحمد حسن، المنشور في موقع «مدارات كورد»، ورد أن الفضل في لفت الانتباه إلى الأهمية الأثرية الكبيرة لهذا الموقع يعود إلى «حمدي بك»، مدير متحف إسطنبول، الذي زاره عام 1883 وسجل بعض الملاحظات حوله. ومنذ ذلك الحين لم تنقطع زيارات علماء الآثار عن هذا الموقع. 

ويضيف أحمد حسن أن بعثة أثرية فرنسية برئاسة فرانسوا تورو دانجان، الأمين العام لدائرة الآثار الشرقية في متحف اللوفر قَدِمت إلى أرسلان طاش في عام 1928 وأجرت حملتي تنقيب كشفتا عن مجموعة فريدة من العاجيات التي أطلق عليها اسم «العاجيات الفينيقية»، ومنها: ولادة حوروس، البقرة المرضعة، المرأة المطلة من النافذة وزهرة اللوتس.

ووجدت العاجيات المكتشفة في هذه القرية الكوردية الصغيرة بفضل علماء الآثار الفرنسيين طريقها إلى متحف اللوفر، حيث تم تخصيص جناح خاص لها في المتحف سمي بمجموعة «أرسلان طاش». وهي تدل على مدى المهارة التي اتسم بها النحاتون والفنانون في ذلك العصر. كما أنها تكشف عن الوجه الحضاري الزاهر لكوردستان التي عاشت فيها شعوب كثيرة وأقوام ساهموا منذ القديم في إضافة لمسات ساحرة إلى الفن العالمي ما تزال تبهر كل من يراها إلى الآن.

تمثال البقرة المرضعة

تمثال ولادة حوروس


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved