رضا علي.. أيقونة الأغنية البغدادية
رضا علي.. أيقونة الأغنية البغدادية

في زوايا الذاكرة البغدادية، يلمع اسم الفنان رضا علي كأنشودة فنية حملت الحنين والهوية في آنٍ واحد. فنانٌ ترك أثراً لا يُمحى، وصوتاً بقي حاضراً في قلوب الناس، خلف ألحانه تختبئ قصة انتماءٍ لم تُروَ، وقومية أحبها بصمت، يمكن وصفه بأنه الفنان الكوردي الفيلي الذي حمل بغداد في صوته.

ولد الفنان رضا علي عام 1934 في كرخ بغداد (سوق حمادة) منطقة الشواكة الشعبية. واسمه الحقيقي علي رضا بن عبد الرحمن النقاش، لكنه اختار لقبه الفني نتيجة القيود المجتمعية التي فُرضت على العمل الفني في تلك المرحلة. وينحدر رضا علي من عائلة متواضعة من أصول كوردية فيلية. ورغم تأثره بالفنان محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، إلا أنه استطاع بناء خطه الفني الخاص الذي تميز بالأغنية الخفيفة والموسيقى الملتزمة. وعلم نفسه العزف بشكل مبسط إلى أن بدأ دراسته في معهد الفنون الجميلة، وتعرّف على أساتذة المعهد منهم علي الدرويش، ومحي الدين حيدر، وروحي الخماش.

سنوات التهميش

عانى الفنان رضا علي من التهميش بسبب هويته الكوردية الفيلية لسنوات. ومن أكثر أغانيه شهرة «سمر سمر» التي لطالما طالب الجمهور ببثها عبر الإذاعة، ثم تحوّلت إلى أغنية شعبية يرددها العراقيون في الأعراس والمناسبات الاجتماعية. ورغم العزلة، لحّن رضا علي للعديد من الفنانين العراقيين والعرب، منهم داود العاني، وياس خضر، وأمل خضير، ونهاوند، وسميرة توفيق وغيرهم. وفي رصيده عشرات الأغاني منها «أدير العين ما عندي حبايب»، «ما يكفي دمع العين»، «مين علمك ترمي السهم يا حلو بعيونك»، «اسألوه» للفنانة مائدة نزهت وغيرها. 

وتختزن مسيرة الفنان رضا العديد من الرحلات الفنية إلى مصر والأردن وسوريا ولبنان التي بنى خلالها علاقات وثيقة مع الملحنين والفنانين العرب آنذاك، منها علاقته مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي علّمه إدخال بعض الآلات الغربية على اللحن العراقي مثل البيانو والغيتار. كما كانت علاقته بالفنان فريد الأطرش متينة، وعلى تواصل دائم، وغنى معه في حفلة أقيمت في لبنان مع مجموعة من الفنانين العرب.

طوت الأغنية العراقية تاريخاً حافلاً بالأمجاد الغنائية برحيل رضا علي الذي كان أول سفير للأغنية العراقية عبر رحلاته الفنية خارج العراق.. والذي قال عنه كاظم الساهر إن ألحانه لا تشبه أحداً من جيله

أما الفنان عبد الحليم حافظ، فتعمّقت العلاقة معه حين زار بغداد عام 1946 وغنى في سينما النصر. اتفقا وقتها على أن يلحن رضا قصيدة «إني خيرتك فاختاري» للشاعر السوري نزار قباني لكن رحلة مرضه منعت المشروع أن يرى النور. كما غنى للملك فيصل الثاني عندما جاءت خطيبته التركية إلى البصرة على ظهر باخرة خاصة، فغنى أغنيته الشهيرة «مركب هوانا من البصرة جانا». 

وفي عام 2001، قرر مغادرة العراق إلى ألمانيا، ليعود بعد سقوط النظام العراقي السابق عام 2003. وفي عام 2005 طوت الأغنية العراقية تاريخاً حافلاً بالأمجاد الغنائية برحيل رضا علي الذي كان أول سفير للأغنية العراقية عبر رحلاته الفنية خارج العراق، وسجل العديد من أغانيه في إذاعات الوطن العربي.

وفي مقابلة مع المطرب العراقي الفنان كاظم الساهر قال إن ألحان رضا علي لا تشبه أحداً من جيله. كما كان صديقاً مقرباً للشاعر سيف الدين ولائي وهو أيضاً كوردي فيلي، لحّنا معاً الكثير من الأغاني، منها: «الله وياك» للفنانة سميرة توفيق، و«شدعي عليك يلي حرگت گلبي» للفنان نرجس شوقي، و«على ضيك يا گُمَر» للفنانة أنصاف منير، و«ادلل عليّ ادلل» للمطربة أحلام وهبي ثم غنتها نهاوند، و«غريبة من بعد عينج يا يُمّة» لزهور حسين، وغيرها من الأغاني التي أصبحت جزءاً من تراث الأغنية البغدادية.

وسجل الفنان سامي قفطان حلقة خاصة عن الفنان رضا علي بعنوان «منسيون»، وصدرت عن حياته وفنه مجموعة من الكتب منها كتاب «رضا علي... عطاء وإبداع»، صدر بطبعتين من تأليف فلاح الخياط وراشد خلوصي.

 فنانون يودعون رضا علي

وبعد رحيله، نعاه الكثير من المطربين والفنانين الكورد والعرب، من بينهم الناقد الموسيقي الراحل عادل الهاشمي الذي كتب: إننا أمام ملحّن قاد النغم العراقي إلى خارج الجغرافية العراقية الذي نجح في استقطاب الأصوات العربية وجمعها معه، معتبراً إياه حجر الزاوية في الألحان العراقية، لاسيما في موازنته بين الموروث الشعبي والأغاني الحديثة وبين التجديد والحفاظ على الأصول.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved