في ذاكرة كوردستان، هناك أسماء لا تُنسى، رجال حملوا رسائلهم في قلوبهم وعبروا بها الحدود. من بين هؤلاء، يبرز اسم القس بولص بيداري، رجل الدين والمثقف والمناضل القومي، الذي ينحدر من قرية بيدار في مدينة زاخو بإقليم كوردستان، عاش حياته بين منابر الكنيسة وأصوات البيشمركة، بين سطور الكتب وأثير الإذاعة الكوردية، جامعاً بين الإيمان والنضال، بين روح الكنسية وروح الثورة.
وفي حديث لمجلة «كوردستان بالعربي»، استعاد القس ستافرو زيرو السناطي كاهن كنيسة بيدار، ملامح شخصية الراحل بولص بيداري، متوقفاً عند نشأته في بيئة ريفية مشبعة بروح الانتماء إلى الأرض والقيم العائلية. وأوضح أن ملامح التوازن والوعي المبكر بدت واضحة على شخصيته منذ سنواته الأولى، حيث اتسم بهدوئه وميوله للتأمل والصلاة، وهي سمات لازمته في مسيرته الكهنوتية، فبقي قريباً من الناس، حاضراً في تفاصيل حياتهم، يستمد من إيمانه بالله طاقة روحية جعلته موضع احترام واسع.
وأضاف القس ستافرو أن بولص بيداري كان إنساناً بسيطاً، محبّاً للعلم والرياضة، يُظهر احتراماً للكبار، ومطيعاً لعائلته، مرتبطاً بأهله، وشديد التعلّق بأرضه وقوميته. وعلى الرغم من بساطة حياته اليومية التي تمحورت في طفولته حول اللعب واللهو في مزارع بيدار، إلا أنه كان يحمل في داخله نضجاً لافتاً ونظرة عميقة قلّما تتوفر في من هم في مثل سنّه.
ويستذكر زياد مرقس، أحد أقارب القس بولص، تلك المرحلة قائلاً: إن بولص، بعد نيله الرسامة الكهنوتية، لم يشأ البقاء في بلدته بيدار التي لم تكن تفتقر إلى الكهنة، فهاجر إلى سوريا وتحديداً مدينة القامشلي، استجابة لحاجتها إلى راعٍ روحي، وبسبب قربها الجغرافي من منطقته. هناك، تسلّم إدارة مدرسة «الكفاح» آنذاك، ونجح في إحداث نقلة نوعية في أدائها، مع اهتمام خاص بتعليم اللغة السريانية والألحان الكنسية، إلى جانب ترسيخ الهوية القومية في نفوس الطلاب. لم يقتصر نشاطه على العمل التربوي، بل امتد إلى المجتمع المحلي، عبر تنظيم فعاليات شبابية ورياضية، ودورات لغوية، وندوات حول التراث المسيحي. غير أن هذا الحضور لم يكن موضع ترحيب دائم من السلطات السورية، إذ تعرّض للاعتقال عدة مرات، أحياناً لأسبوع وأحياناً لثلاثة أيام. «اعتُقل لأنه ألقى قصيدة أثناء مباراة كرة قدم تطالب بالحرية، ما أزعج رجال الأمن»، وأشار زياد إلى أن صوت بيداري «لم يكن سياسياً فقط، بل تربوياً وثقافياً ودينياً في آن واحد».
تمثال للقس بولص بيداري في مدينة زاخو
في قلب الثورة الكوردية
في عام 1958، عاد إلى العراق، وتحديداً إلى بغداد، حيث وجد في مناخها العلمي والثقافي منبراً له. خلال وجوده في العاصمة لمدة تقرب من أربع سنوات، ألّف كتباً عديدة، وشارك بمقالات في مجلات وصحف، وكانت تلك المرحلة إحدى أبرز محطات انخراطه في العمل الفكري والثقافي المرتبط بالقضية القومية.
بعد مكوثه في بغداد، وازدياد الضغوط الحكومية عليه بسبب أفكاره القومية، تلقى القس بولص استدعاء من مطران أبرشية زاخو المطران بولص شيخو في عام 1960، فعاد إلى كوردستان، ليبدأ المرحلة الأهم في حياته: الالتحاق بالثورة الكوردية عام 1963.
بدأ أولاً كمذيع في الإذاعة الكوردية، حيث كان يقدم برامج باللغة السريانية، لحث المسيحيين على الالتحاق بالثورة والانخراط فيها. يقول زياد: «بعد فترة قصيرة، بدأت مهامه تتوسع، حتى وصل إلى قائد الثورة الملا مصطفى بارزاني، وأصبح مترجماً لمراسلات الثوار، بفضل إتقانه لعدة لغات: السريانية، والكوردية، والعربية، واللاتينية، والفرنسية، والفارسية، إضافة إلى القليل من الإيطالية والآرامية».
زاد قرب القس بولص من الملا مصطفى بارزاني من ثقة الكثير من المسيحيين بالثورة فالتحقوا بها، ووجدوا فيه مثالاً على أن الثورة ليست محصورة بقومية أو دين. وقد أُعجب البارزاني بشخصيته، وكان يثق به بشكل كبير، لما تميز به من صدق ومباشرة. يقول زياد: «كان رجلاً صريحاً، قلبه على لسانه، كما يقولون، ولم يكن يخفي شيئاً على أحد».
استمر القس بولص في أداء دوره ضمن الثورة الكوردية، فإلى جانب عمله مترجماً، تولى مهام سياسية وتنظيمية، وأصبح لاحقاً عضواً في المكتب السياسي، وكان يزور مواقع البيشمركة ويلقي ندوات لتحفيزهم، وينقل رسائل روحية ووطنية تُعزز روح النضال.
اعتزال السياسة وميراث لا يُمحى
مع تقدمه في العمر وتدهور حالته الصحية، قرر القس بولص اعتزال السياسة والتفرغ لحياته الروحية. انتقل إلى كنيسة مار كوركيس في الموصل، وهناك واصل خدمته الدينية حتى آخر أيامه. لكنه، وكما يروي زياد، «لم يكن ينسحب من أي نشاط أو مبادرة إلا وقد فعل المستحيل لإظهارها وإنجاحها، لأنه كان يتمتع بشخصية قوية وعنيدة لا تعرف الاستسلام».
شملت دائرة صداقاته شخصيات أدبية وسياسية ودينية من مختلف القوميات والديانات. وكان من بين أصدقائه المقربين السيد بشير بوتاني، الذي يعتبره زياد «معلمه أثناء النضال والثورة الكوردية»، ولا يزال على تواصل معه حتى اليوم. ويصف زياد شخصيته بأنها حادة الطباع، لكن قوميته كانت راسخة، وحبه لأرضه غير قابل للتفاوض».
ورغم ارتباطه العميق بأمته الكلدو-آشورية، إلا أنه كتب عن خيبة أمله من الانقسامات والتحزبات داخلها، وانتقد الانشقاقات التي أضعفت العمل القومي. يرى زياد أن «القضية الكوردية كانت في نظره مثالاً ملهماً لقضية شعبه الكلدو-آشوري، وكلاهما يسعيان إلى تثبيت حدود وطن عادل يجمع الجميع».
وخلال سنوات النضال والتنقل والهجرة، ضاع الكثير من مؤلفاته ومذكراته. لكن ما تبقى منها لا يزال محفوظاً في زاخو والموصل، حيث يحتفظ أولاد القس بولص الهوزي بعكازه الخشبي، وتُعرض ثيابه في كنيسة «مسكنتا» كجزء من الذاكرة الجماعية.
يرى زياد أن تأثير القس بولص ما زال حياً، ليس فقط في ذاكرة من عاصروه، بل أيضاً في نفوس الشباب البيداريين الذين يعتبرونه رمزاً للقومية والانتماء. ويختم حديثه قائلاً: «مشروع القس بولص لم ينتهِ، لأن فكره ومبادئه لا تزال باقية، وفكرة الوطن التي عاش ومات من أجلها ما زالت حيّة طالما بقي هناك من يؤمن بها».