«مقهى الشعب» مسرح النخب على مدى 7 عقود
«مقهى الشعب» مسرح النخب على مدى 7 عقود
January 27, 2026

تختزل مدینة السليمانية، عاصمة الثقافة الكوردستانية، تاريخاً حياً في زواياها. وعند ملتقى أشهر شوارعها النابضة بالحياة؛ (مَولَوی، پیرَمیرد، صابونكَران، كاوه)، ثمة مقهى يحتفظ بصور وذكريات لأحداث لافتة سجلتها السليمانية منذ منتصف القرن الماضي.

لا لافتة كبيرة فوق الباب، ولا إعلانات تجذب المارة، لكن التاريخ وصور الماضي تجعل الجميع يعرف الطريق إليها. إنه «مقهى الشعب» الذي استمد اسمه من المدّ الفكري الأحمر الذي اجتاح المنطقة آنذاك، لتبدأ رحلتها كخزانة أسرار المدينة وضميرها الحي.

المقهى يحتفظ بصور وذكريات لأحداث لافتة سجلتها السليمانية-الصور: ناصح علي خياط


قلب يخفق 16 ساعة

ما إن تعبر الباب حتى تغوص في باحةٍ تحتضنها الأرائك، كقلب المدينة النابض الذي يخفق لرواده، ست عشرة ساعةً يومياً. المقهى الذي أسسه شريف چايچي عام 1950، وتوارثه الأحفاد، لا يقدّم الشاي والقهوة فقط، بل يقدم ذاكرة مدينة السليمانية وكل كوردستان: صور الزعماء، والفنانين، والنساء اللواتي صنعن مجدهن، تغطي الجدران، محوّلة المكان إلى مسرح صغير للتاريخ والروح الثقافية. هنا، يبدو الماضي حاضراً في كل همسة، والحاضر يتنفس بين الطابوق والأرفف، لتظل الباحة الصغيرة التي تحفّها الأعمدة كأنها تحرس ذاكرة المكان، أوسع من أن تُقاس بالأمتار.

هناك أكثر من زاوية في المقهى تحتضن الكتب، وترى رواده منشغلون في السجالات الأدبية والفنية، وأحياناً يفتحون نوافذ تتسع وتضيق حسب المجال، فقد تضيق عند الحديث في السياسة، وتتسع نحو القضايا الاجتماعية والاقتصادية، لكن يبقى المكان ثقافياً بامتياز طاغ. المشاريع الفنية، بجميع صنوفها، تتم مناقشتها تحت سقف هذا المكان. آخر الإصدارات وعموم الأجواء الثقافية وعالم الإبداع، يجري تناوله من قبل رواد المقهى، وهو الملتقى الثقافي الأكثر شهرة وتأثيراً في مدينة السليمانية طوال سبعة عقود مضت.

المقهى أسسه شريف جايجي عام 1950 وتوارثه الأحفاد


هكذا يحكي رواد «مقهى الشعب» حكاياتهم

لا يقتصر رواد المقهى على جيل بعينه، فإلى جانب وجوه الشباب، يشكل المسنون والمتقاعدون جزءاً أصيلاً من نسيجه الاجتماعي. يقول المتقاعد السبعيني أحمد محمد، وهو من الزبائن الدائمين: «ألِفتُ المكان وأحببته كل الحب، حتى أنني إذا فاتني زيارته يوماً، شعرت وكأنني فقدت شيئاً ثميناً». ويضيف موضحاً سر هذه العلاقة المتينة: «هنا نلتقي زملاء العمل القديم وأصدقاء الطفولة، نمضي معاً أوقاتاً ممتعة، نتبادل أخبارنا السعيدة والحزينة، ونستشير بعضنا في ما يعترضنا من مشكلات».

ولا يخفى الدور الثقافي الذي يضطلع به المقهى، وهو ما يؤكده الأديب والفنان جمال دلاك بقوله: «بعض المقاهي اليوم بمثابة صالونات أدبية ومنتديات اجتماعية، حيث تجري في جنباتها أحاديث تتنوع بين الفكر والفن والثقافة، ويطّلع المرء على آخر المستجدات في مجالات مختلفة». ويعطي مثالاً على ذلك: «خلال سنوات إقامتي في أربيل، وجدت في مقهى «مچكو» عند جنبات قلعة أربيل، ما يماثل الدور الذي يلعبه مقهى الشعب في السليمانية».

أما الكاتب والشاعر آزاد پنجويني، فيرى في المقهى منصة حيوية للإبداع، قائلاً: «هذا المكان ملتقى للأدباء والفنانين، حيث نتابع مشاريع بعضنا، ونقوّم الإصدارات والأعمال الفنية الجديدة للبعض الآخر». ويشرح تطبيقاً عملياً لكلامه: «حالياً أستعد لعمل فيلم عن حياة فنان تشكيلي، فألتقي هنا بزملائي الفنانين وأستأنس بآرائهم القيمة».


شخصيات صنعت التاريخ.. التقت هنا

لم يكن «مقهى الشعب» مجرد مقهى، بل تحول عبر السنين إلى مَعلم بارز. وظلّت بوابته المتواضعة تشهد على توافد شخصيات أسست للتاريخ السياسي والأدبي الكوردستاني، بدءاً من الزعيم ملا مصطفى بارزاني في خمسينات القرن الماضي، ومروراً بعمالقة الأدب أمثال محمد مهدي الجواهري، ووصولاً إلى قادة فكريين من مختلف المشارب: قوميين وعلمانيين ويساريين ودينيين، والمنخرطين في الثورة الكوردستانية بجميع مراحلها. ما أضفى أهمية على المكان بلغت مبلغاً جعل نظام الحكم السابق ينشر بين طاولاته عيوناً وأعوان مُخبرين سريين، يرصدون حركة الشفاه وأخبار الزبائن وانتماءاتهم. أما على الجانب الثقافي، فقد كان المقهى محطةً دائمةً لرواد الأدب والفكر الكوردي من أمثال؛ إبراهيم أحمد، عبد الرحمن ذبيحي، وملا جميل روژبَياني وغيرهم. ومن بين السياسيين الذين ارتادوه، يبرز مام جلال طالباني وعقيلته هيرو خان، والسياسي ملا بختيار، والرئيس العراقي السابق برهم صالح، إلى جانب كثيرين غيرهم، ليصبح المقهى مسرحاً حياً للتاريخ الكوردي، حيث تتقاطع الثقافة بالسياسة في كل زاوية وركن.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved