دبلوماسية السلام.. بارزاني في الفاتيكان
دبلوماسية السلام.. بارزاني في الفاتيكان
February 09, 2026

ثلاثة أيام حاسمة في قلب أوروبا، حمل خلالها الرئيس مسعود بارزاني ملف التوترات الإقليمية من أربيل إلى الفاتيكان وروما. بين أروقة الكرسي الرسولي وقاعات الحكومة الإيطالية، رسم الزعيم الكوردستاني خطوطاً واضحة: «لن يُترك الكورد وحدهم».

وصل الرئيس بارزاني إلى العاصمة الإيطالية يوم الأربعاء، الموافق 21 كانون الثاني 2026، في زيارة رسمية امتدت لثلاثة أيام متتالية، شملت سلسلة من الاجتماعات واللقاءات الرفيعة المستوى. استهل زيارته بلقاء تاريخي مع قداسة البابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان، قبل أن يتوجه للقاء كبار المسؤولين الإيطاليين، بدءاً بوزير الخارجية أنطونيو تاياني، ومروراً بزيارة السفارة العراقية، ووصولاً إلى اجتماع حاسم مع وزير الدفاع غويدو كروسيتو. ومن هناك، كشف عن تفاصيل اتصالاته لمنع انفجار الأوضاع في سوريا، ووجّه رسائل حاسمة حول مستقبل الكورد في المنطقة.


التسامح والتعايش

في لحظة وصفها المرافقون بـ«التاريخية»، عبر الرئيس بارزاني أبواب الفاتيكان يوم الأربعاء ليلتقي قداسة البابا ليو الرابع عشر. لم يكن اللقاء بروتوكولياً عابراً، بل اجتماعاً ثنائياً خاصاً استمر لوقت طويل، كما كشف وزير النقل والاتصالات في حكومة الإقليم آنو جوهر، لمجلة «كوردستان بالعربي» الذي رافق الرئيس في الزيارة.

وفي مؤتمر صحفي عقده بمقر ممثلية حكومة الإقليم في روما، كشف الرئيس بارزاني عن تفاصيل اللقاء، موضحاً أن «قداسة البابا أبدى اهتماماً خاصاً بأوضاع كوردستان، ووعد بزيارة الإقليم ضمن جدول زيارته المرتقبة إلى العراق». وأضاف أن لقاءاته مع قداسة البابا ووزيري الخارجية والدفاع الإيطاليين كشفت عن «تعاطف كبير مع القضية الكوردية»، مؤكداً وجود «تنسيق عالٍ مع القوى الدولية لضمان استقرار المنطقة».

وفي رسالة مهمة وجهها للإعلام الكوردستاني، شدد بارزاني على ضرورة الدفاع عن الحقوق من دون الانزلاق للعنف، قائلاً: «يجب ألا تتحول الصراعات السياسية إلى حرب بين الكورد والعرب أو أي مكون آخر؛ لأن الحروب بين القوميات كارثية. ودور الإعلام يجب أن يكون إيجابياً في حماية الحقوق وتجنب فتح الأبواب أمام الفتن».

من جانبه، أعرب البابا ليو الرابع عشر عن ترحيبه الحارّ بالرئيس بارزاني، حيث أبدى الجانبان سعادتهما باللقاء باعتباره فرصة لتبادل وجهات النظر حول القضايا الملحة في المنطقة والعالم. وعبّر الطرفان عن أملهما بأن يسود السلام والاستقرار في العالم، وأن تنتهي آلام ومعاناة الشعوب، قبل أن يتبادلا الهدايا التذكارية في ختام الاجتماع.

وأكد آنو جوهر أن زيارة الرئيس بارزاني للفاتيكان شهدت «تأكيداً كبيراً على أهمية التعايش السائد في الإقليم»، موضحاً أن بارزاني «زار بابا الفاتيكان بصفته رئيساً لأمة ووطن، وقد حظي باستقبال تاريخي من لدن قداسة البابا». وأضاف أن «سلطات الفاتيكان وإيطاليا تنظر إلى الرئيس بارزاني كرجل للسلام».

الرئيس بارزاني يقدم هدية تذكارية لوزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو

لقاء وزير الدفاع ومحاور الاجتماع

وفي اليوم الثاني من الزيارة، التقى الرئيس بارزاني بوزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو في لقاء وصفه بأنه «جيد جداً». وفي مؤتمر صحفي مشترك، قال بارزاني: «بكل تأكيد، فإن معالي الوزير صديق محترم ومقرب جداً من شعب كوردستان، وقد بحثنا وضع غرب كوردستان (روجآفا) وجميع القضايا الأخرى».

ووصف بارزانی إيطاليا بـ«صديقة شعب كوردستان»، لافتاً إلى أن «مسؤولي هذا البلد يتفهمون الأوضاع في غرب كوردستان، وقد أعربوا عن تضامنهم ووعدوا بتقديم الدعم والمساندة للشعب الكوردي». وكشف أن المسؤولين الإيطاليين جددوا «التزامهم باستمرار دعم قوات البيشمركة، وبذل الجهود مع الحلفاء في أوروبا والولايات المتحدة لحماية شعب كوردستان، خاصة في ظل الظروف المعقدة التي تشهدها مناطق شمال وشرق سوريا».

وفي رسالة واضحة، أكد بارزاني: «نحن نسعى مع جميع الأطراف لأن لا تندلع الحرب وألا يتعرض شعب كوردستان للآلام والاعتداءات». لكنه شدد في الوقت ذاته: «بالنسبة لنا، الأهم من كل شيء هو كرامة ووجود الكورد، ونحن مستعدون للقيام بكل ما يلزم لحماية كرامة شعب كوردستان».

من جانبه، سلط وزير الدفاع الإيطالي الضوء على مكانة الرئيس بارزاني الاستثنائية، قائلاً: «إن دور الرئيس بارزاني كبير ومؤثر للغاية؛ فهو لا يبرز كمجرد رئيس فحسب، بل يظهر كزعيم قومي وإقليمي». وأشار كروسيتو إلى أن بارزاني «على تواصل مستمر مع كافة الأطراف بهدف ترسيخ السلام وتهدئة الأوضاع في المنطقة».

وحول الجهود الدبلوماسية الإيطالية، أوضح كروسيتو أن إيطاليا تعمل بجدية وبشكل مفصل على هذه القضية.. «نحن نبذل كل مساعينا للعمل مع تركيا وسوريا والدول الكبرى، من أجل تطبيع الأوضاع وإعادة الاستقرار للمنطقة». وأكد أنه «لا يتحدث باسم بلاده فحسب، بل هو في حوار مستمر مع دول أخرى أيضاً»، لافتاً إلى أن «استقرار هذه المنطقة ليس مهماً لنا فقط، بل يحمل أهمية جيوسياسية للجميع».

الرئيس بارزاني لدى استقباله من قبل وزير خارجية إيطاليا أنطونيو تاياني

السلام والاستقرار

في لقائه مع نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية إيطاليا أنطونيو تاياني يوم الأربعاء (21/1/2026)، شدد الرئيس بارزاني على نهج الحوار كطريق وحيد لحل الأزمات. وجرى خلال الاجتماع بحث الأوضاع السياسية والتطورات في سوريا والمنطقة بشكل عام، ومخاطر عودة تنظيم داعش، والتأكيد على «ضرورة معالجة المشكلات والتعقيدات عن طريق الحوار والتشاور السلمي، بعيداً عن العنف والحرب والصدامات».

وبشأن مظاهرات الكورد في أجزاء كوردستان الأخرى وأوروبا دعماً لغرب كوردستان، شكر الرئيس بارزاني المتظاهرين خلال مؤتمره الصحفي في السفارة العراقية، قائلاً: «إنه لمن دواعي السرور أن يساند الشعب الكوردي بعضه البعض في كل مكان، وهذا هو أفضل شيء».

وفي رسالة طمأنة لشعب كوردستان، صرح بارزاني من السفارة العراقية: «كوردستان تمتلك قوات البيشمركة، ولا يمكن لأحد أن يعتدي على إقليم كوردستان». وأضاف: «نحن نعيش في منطقة مليئة بالمشكلات والحروب والاضطرابات؛ لكن يمكنني أن أعِدَ بأن كوردستان تمتلك قوات البيشمركة، وإن شاء الله لن يتمكن أحد من الاعتداء على إقليم كوردستان».

من جانبه، أشاد وزير الخارجية الإيطالي بـ«الدور الحكيم للرئيس بارزاني في الحفاظ على التعايش والاستقرار في العراق وكوردستان»، كما ثمّن «جهود بارزاني الرامية لتحقيق السلام والأمن في سوريا وتجنيب تعرض الشعب الكوردي هناك للمآسي». واتفق الجانبان على «الاهتمام بتعزيز العلاقات بين إقليم كوردستان وإيطاليا والارتقاء بها في مختلف المجالات»، فيما أكد تاياني «دعم بلاده لحكومة الإقليم ولشعب كوردستان».

الوضع في سوريا

كشف الرئيس بارزاني أنه «مع بدء المعارك في حلب، أرسل رسالة إلى أحمد الشرع عبر وسيط عربي»، محذراً من أن الاعتداء على الكورد «خط أحمر وستكون له تداعيات خطيرة». وأشار إلى أنه «تلقى اتصالاً هاتفياً لاحقاً من الشرع أكد فيه الأخير التزامه بمنع وقوع مثل هذا الصدام».

وفيما يخص مدينة كوباني الرمزية، أكد الرئيس: «لن ندخر جهداً لحماية كوباني. لو كانت الظروف تتيح لنا ما أتيح في عام 2014، لأرسلت القوات فوراً، لكن الوضع الحالي مختلف دولياً». وأضاف أن «حماية المناطق الكوردية وحقوق سكانها هي الأولوية القصوى».

وحذر بارزاني من إن تنظيم داعش «لم ينتهِ بعد، وأن الفوضى الحالية في سوريا منحت داعش فرصة ذهبية لإعادة تنظيم صفوفه»، مؤكداً وجود «معلومات عن هروب أعداد كبيرة من عناصر التنظيم من السجون، مما يشكل تهديداً جدياً».

دور بارزاني وحواراته مع المسؤولين

اختتم الرئيس بارزاني تصريحاته بالتأكيد على نهج السلام، وقال: «قلوبنا مع إخوتنا في روجآفا. أنا لا أؤمن بالحرب ولم أسعَ إليها يوماً، ولكن إذا وصل الأمر إلى الاعتداء على وجود الكورد، فحينها سنكون جميعاً صفاً واحداً ومستعدين لكل شيء» وقال «نأمل أن تُحل الأمور بلغة الحوار».

وخلال الزيارة التي استغرقت ثلاثة أيام، حمل الرئيس بارزاني رسالة السلام وهموم شعب كوردستان وقضاياه إلى العالم في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات تعيد رسم خارطتها السياسية.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved