شهد قطاع النفط والغاز في العراق تطورات كبيرة خلال العقدين الماضيين، لكن هذا التقدم بقي محصوراً في الجانب الكمي من دون أن ينعكس على تنويع الاقتصاد أو بناء منظومة حوكمة رشيدة. هذا ما أكده الدكتور حمدي سنجاري، الأكاديمي والخبير النفطي، في مقابلة مع مجلة «كوردستان بالعربي»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن العراق يواجه تحديات هيكلية عميقة تعيق الإدارة الفعّالة لموارده النفطية.
قفزة الإنتاج
أوضح الدكتور سنجاري أن العراق استطاع، من خلال عقود جولات التراخيص النفطية التي وقعها مع شركات عالمية، الوصول بالإنتاج النفطي إلى حدود 4.5 مليون برميل يومياً، فيما بلغت كمية النفط المُصدَّر وفق محددات «أوبك» حوالي 3.5 مليون برميل يومياً. وهي قفزة تحققت بزيادة قدرها 2.5 مليون برميل بفضل الاستثمارات في قطاع الاستخراج، ما أعاد العراق إلى موقعه كأحد كبار المنتجين داخل منظمة «أوبك». أما في قطاع التصفية، فقد حقق العراق نقلة نوعية ملحوظة. فبعد أن كان يعتمد بشكل أساسي على الاستيراد الذي شكّل حوالي 70% من إجمالي الحاجة الكلية للبلد قبل عشرين عاماً، وصل اليوم إلى شبه الاكتفاء الذاتي، حيث تحقق الاكتفاء محلياً في منتجات زيت الغاز والكيروسين، و90% من منتوج البنزين. لكن قطاع الغاز لا يزال يمثل التحدي الأكبر، حسب الدكتور سنجاري، إذ لا يزال العراق يعتمد بنسبة 50% على الاستيراد بسبب عدم الاستخدام الأمثل لموارد الغاز المتاحة. ولفت إلى أنه جرت خلال الحكومة الحالية تعاقدات مهمة مع شركة «توتال» وغيرها، من المؤمل أن يتم من خلالها استثمار الغاز بشكل تام خلال عام 2029، مما يحقق تقدماً ملموساً في هذا المجال. وكشف سنجاري عن رقم صادم حين قال: «العراق يحرق حوالي 18 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، ما يُقدَّر قيمته بـ5 مليارات دولار»، مشيراً إلى أن العراق يُصنَّف كثاني أكبر دولة في العالم في هذا المجال، وفق البنك الدولي ومبادرة«جي جي إف آر» (GGFR)، وأضاف: «حالياً، يستثمر العراق 70% من الغاز المصاحب، حسب بيانات وزارة النفط، لكن فاتورة الغاز والكهرباء المستوردة تصل إلى 4 مليارات دولار سنوياً». أما قطاع النقل والتوزيع، فعلى الرغم من تطوير البنى التحتية وإنشاء شبكات أنابيب لتغذية محطات الكهرباء والمصافي والمعامل الصناعية، وتطوير خطوط التصدير ودراسة إنشاء أنابيب باتجاه الأردن وتركيا، إلا أنه لا يزال بحاجة إلى جهود كبيرة لتدعيم النشاط بشكل استراتيجي. ويمكن توصيف أداء العراق في إدارة ثروته النفطية خلال العقدين الماضيين، حسب الدكتور سنجاري، بأنه «أداء متذبذب يميل إلى الريعية أكثر من الإدارة الاستراتيجية». فعلى الرغم من نجاح العراق في زيادة الإنتاج والصادرات، إلا أن هذا التقدم بقي محصوراً في الجانب الكمي، من دون أن ينعكس على تنويع الاقتصاد أو بناء منظومة حوكمة رشيدة. تمثلت نقاط القوة في ضخامة الاحتياطيات، وانخفاض تكلفة الإنتاج، وجذب شركات نفطية عالمية. أما نقاط الضعف فتركزت في الاعتماد شبه الكامل على النفط لتمويل الموازنة (أكثر من 90%)، وضعف الشفافية، وتفشي الفساد، وسوء إدارة الإيرادات، وغياب صندوق سيادي فعّال، واستمرار الخلافات السياسية والدستورية حول إدارة القطاع، خصوصاً بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان. يُضاف إلى ذلك الاستهدافات المتكررة التي طالت حقول النفط والغاز في إقليم كوردستان، والتي تسببت في خسائر كبيرة للعراق. التحديات الهيكلية أكد الدكتور سنجاري أن العراق يواجه تحديات هيكلية عميقة تعيق الإدارة الفعّالة لموارده النفطية، يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات مترابطة: أولها التحديات الدستورية والقانونية التي تتمثل في غموض المادتين (111 و112) من الدستور بشأن آليات الإدارة والتوزيع، وعدم إقرار قانون النفط والغاز الاتحادي الذي أُعدت مسوّدته الأولى منذ عام 2007، ما خلق فراغاً تشريعياً ونزاعات مستمرة بين الحكومة الاتحادية والإقليم. وثانيها التحديات المؤسسية والإدارية التي تشمل ضعف الحوكمة، وتداخل الصلاحيات، ومحدودية الشفافية، وغياب سياسات مالية طويلة الأمد لإدارة العائدات النفطية. أما ثالثها فهو التحديات السياسية التي تتمثل في تسييس ملف النفط، وعدم التوصل إلى حلول دستورية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، وتأثير الصراعات الداخلية على القرار النفطي، وهي أمور أدت إلى تعطيل بناء سياسة وطنية موحدة ومستقرة للطاقة. وكشف الدكتور سنجاري عن معضلة إضافية تواجه القطاع النفطي، إذ أن «وزارة النفط بحاجة إلى دعم اقتصادي ومالي وعدم تدخل الحكومات في تخطيطها، وتحريرها من قيود الالتزامات الداخلية والديون الخاصة بوزارة الكهرباء وغيرها». وأوضح سنجاري أن ديون وزارة الكهرباء على وزارة النفط كأجور لتسديد أثمان الغاز المجهَّز لمحطات الكهرباء تبلغ حوالي 130 مليار دينار عراقي، أي ما يعادل حوالي 100 مليون دولار كان يمكن أن تُستثمر في تطوير قطاع الغاز والاستخراج. وأن ذلك، كما يقول سنجاري، راجع إلى ضعف الجباية الحكومية للكهرباء. وشدد الخبير النفطي على ضرورة «منح صلاحيات واسعة ومرونة للقطاع النفطي في تحقيق خطط استراتيجية بعيدة المدى، بعد إقرار القوانين الخاصة به». ثروة غير مستثمرة وأشار الدكتور سنجاري إلى أن الأرقام الرسمية تشير إلى أن العراق يمتلك نحو 145 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، إضافة إلى احتياطيات غاز كبيرة تبلغ 127 تريليون قدم مكعب قياسي، وفق «أوبك» ومراجعة «بي پي» (BP) الإحصائية. لكنه أكد أن «هذه الثروة ليست مستثمرة بالشكل الأمثل، خصوصاً في قطاع الغاز، حيث يُهدر جزء كبير منه بالحرق، ما يؤدي إلى خسائر سنوية تُقدَّر بمليارات الدولارات». ويُرجع سنجاري عدم الاستثمار الأمثل في: محددات الكميات في «أوبك»، وعدم الدعم الاقتصادي لوزارة النفط وتحميلها كاهل ديون وزارة الكهرباء، وعدم القدرة على التصريف المحلي إلى عدم وجود مصافٍ متطورة تغطي الحاجة وتستفيد منها. استهداف المنشآت تطرق الدكتور سنجاري إلى تأثير الهجمات المتكررة على منشآت النفط في إقليم كوردستان خلال السنوات الأخيرة، والتي رفعت مستوى المخاطر الأمنية والاستثمارية، وأثّرت على معدلات الإنتاج والتصدير، لا سيما عبر خط جيهان. وقال إن «تقارير وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن هذه الهجمات انعكست سلباً على ثقة المستثمرين وعلى صورة العراق كبيئة مستقرة للاستثمار في الطاقة»، مؤكداً أن العديد من كبار المستهلكين في أوروبا الغربية وأميركا «كانوا يتطلعون باهتمام إلى عودة التصدير عبر خط جيهان الذي كان يرفد الأسواق الأوروبية بأكثر من 400 ألف برميل نفط يومياً». لكنه أشاد بـ«جهود كوادر الإقليم الذين تمكنوا من السيطرة على الوضع والتخطيط بشكل فوري لمعالجة جميع المشكلات، والبدء بإجراءات عاجلة لصيانة وتأهيل المنشآت المتضررة، وجعل الأمور تسير بالشكل الصحيح». أوضح الدكتور سنجاري أن الخلاف الدستوري والقانوني حول إدارة النفط والغاز خلق بيئة غير مستقرة وغير مشجعة وغير جاذبة للمستثمرين، وهو ما انعكس سلباً على قرارات الشركات الأجنبية. فبعض هذه الشركات علّقت استثماراتها أو انسحبت نهائياً، خاصة بعد قضايا التحكيم الدولية، ومنها قرار التحكيم الصادر عن محكمة باريس التجارية عام 2023، وفق تقارير التحكيم الدولية و«آي سي إس آي دي» (ICSID). لكنه أكد أنه «بفضل الإدارة الحكيمة للإقليم والحكومة الاتحادية، واللجان الفنية المُشكَّلة، تم التوصل إلى تفاهمات مشتركة ومتقدمة، ووضع حلول بالتفاوض مع الشركات المستثمرة في الإقليم لاستخراج النفط». وأضاف: «تم وضع خطة عمل واتفاق عملي يقضي باستئناف صادرات النفط العراقية من الإقليم، وبإشراف مباشر من شركة سومو منذ ثلاثة أشهر، والأمور تسير بشكل إيجابي حالياً». التوصيات الضرورية حذر الدكتور سنجاري من أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع تباطؤاً في نمو الطلب العالمي على النفط بعد عام 2030، ما يفرض على العراق تعظيم القيمة الاقتصادية من موارده في نافذة زمنية محدودة، واستثمار نسبة من هذه الموارد في إنشاء مشاريع الطاقة النظيفة، وتحديداً الطاقة الشمسية. وشدد أيضاً على ضرورة الإسراع بإقرار قانون النفط والغاز، على أن يتوافق مع مواد الدستور ويحظى بقبول كل الأطراف المعنية، مؤكداً أن هذا القانون يمثل حجر الزاوية في حل الكثير من الإشكاليات القائمة. كما دعا إلى إنشاء صندوق سيادي شفاف، على غرار صندوق مجلس الإعمار العراقي في الخمسينات من القرن الماضي، يكون قادراً على إدارة الفوائض المالية وحماية الأجيال القادمة من تقلبات أسعار النفط. وأكد سنجاري أهمية التعجيل بمسار استثمار الغاز المصاحب محلياً، خاصة أن العراق لا يزال يحرق كميات هائلة من الغاز سنوياً، في وقت يمكن أن يستفيد منها في توليد الكهرباء والصناعات البتروكيماوية وتقليل فاتورة الاستيراد. ودعا إلى تنويع الموارد الاقتصادية ووضع خطط جدية للانتقال من الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90% إلى اقتصاد إنتاجي متنوع يعتمد على الزراعة والصناعة والسياحة وغيرها من القطاعات الحيوية. وختم الدكتور سنجاري أقواله بالتأكيد على أهمية ربط قطاع الطاقة بالصناعة والطاقة المتجددة، لضمان انتقال تدريجي وآمن نحو اقتصاد أكثر استدامة، قائلاً: «قطعاً إن النفط هو الطاقة المستدامة ويدخل في كافة الصناعات التحويلية والتكميلية ولا غنى عنها. لكن في ضوء التوجه العالمي للطاقة النظيفة، فإن العراق بدأ بخطوات عملية للاستثمار الأمثل للغاز والصناعات البتروكيماوية، ولا زال أمامه الكثير من التحديات التي يجب أن يواجهها، خصوصاً في قطاع استثمار الغاز والمنشآت البتروكيماوية والمصافي المعقدة المتطورة والطاقة الشمسية المستدامة وغيرها».