شعب اللولو.. حضارة عريقة في كوردستان
شعب اللولو.. حضارة عريقة في كوردستان
February 12, 2026

لم تكن حضارة اللولو مجرد اسم عابر في نقوش الملوك الأقوياء، ولا جماعة هامشية عرفها التاريخ من خلال خصومها فقط. فجنوب السليمانية بإقليم كوردستان وعلى ضفاف نهر تانجَرو، بدأت طبقات الأرض تكشف عن مدينة متكاملة، وعن شعب امتلك الإدارة والعقيدة والعمارة قبل أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة عام. تنقيبات موقع كوناره تعيد اليوم فتح ملف حضارة اللولّوبيين التي ظلت مطمورة تحت الأرض، لتضعها مجدداً في قلب تاريخ كوردستان العريق. 

بلاد زاموا

لم يُذكر اللولوبيون في التاريخ كصانعي حضارة، بل كمجموعة خصم في سجلات الملوك الأقوياء. من الأكديين إلى الآشوريين، كانت نصوصهم المصدر الرئيسي تقريباً عن هذا الشعب، ما شوه صورتهم كمجرد «قبائل بربرية». في العصر الأكدي (حوالي 2334 - 2154 ق.م). ادعى الملك سرجون الأكدي أن سلطته امتدت إلى أراضي اللولوبيين، وتبعه حفيده نرام سين بانتصارات مماثلة. لاحقاً، سجّل الملوك الآشوريون، مثل آشور ناصر بال الثاني، حملاتهم على منطقة «بلاد زاموا»، موطن اللولوبيين، ما حفظ لنا أسماء مدنهم وجغرافية أرضهم رغم الطابع الدعائي للنصوص.

الدكتور كوزاد محمد أحمد

نافذة على الماضي

يرى عالم الآثار الكوردي كوزاد محمد أحمد في حديث مع «كوردستان بالعربي»، أن «تاريخ اللولوبيين يعود على الأقل إلى أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، وليس فقط مع الحملات الآشورية». 

ويضيف أحمد أن «سجلات أولئك الملوك أفادت المؤرخين والآثاريين المحدثين كثيراً في إعادة بناء الصورة الجغرافية القديمة مع تصورات للتشكيلات السياسية والاجتماعية، لا بل والمعتقدات الدينية لسكان بلاد زاموا»، ويشير إلى أن الملك تيگلات - بلصر الأول (1115 - 1077 ق.م) عندما «سجل أنه غنم من بلاد اللولّوبو 25 تمثالاً نحاسياً لآلهتهم كشف عن معتقداتهم».

ويمضي العالم الآثاري الكوردي بالقول إن «تلك السجالات المهمة دللت على غزارة المدن والقرى المنتشرة في بلاد زاموا، إذ سجلت أسماء العديد منها، فهناك مثلاً إشارة في إحدى النصوص إلى تدمير 30 مما يسميه النص مدناً لولوبية، وهي ربما كانت قرى كبيرة، كانت تحيط بمدينة مركزية تدعى خودون، في ضربة واحدة»، ويستدرك أنه على الرغم من أن تلك السجلات كانت «تستخدم نصوصاً دعائية لا تخلو من المبالغات، إلا أنها لا تنفي أيضاً كثافة العمران في واحدة من أخصب السهول الزراعية في عموم المنطقة».

ختم اسطواني من منطقة كوناره

«كوناره»

بعد عام 2003، بدأ العمل الأثري المكثف في إقليم كوردستان، ومن أبرز المواقع التي جرت فيها حملات التنقيب موقع «كوناره» عام 2012 ومن قبل بعثة فرنسية. الموقع يتكوّن من تلتين متلاصقتين على ضفاف نهر تانجرو، بمساحة 7 - 10 هكتارات، أظهرت التنقيبات عن مدينة على تلة عالية وأخرى في الأسفل، ويفصل بينهما طريق. 

التخطيط العمراني والاقتصاد والتجارة

أظهرت الحفريات أن اللولوبيين بنوا أبنية ضخمة، أحدها بطول 60 متراً وعرض 30 متراً، بجدران سميكة مبنية من اللبن والطوب وعلى أسس حجرية. وقد اهتموا بتصريف المياه باستخدام الأرضيات الحجرية وشبكات من الفخار، ما يعكس تخطيطاً مدنياً متقدماً ووظائف إدارية قوية.

كما كشفت التنقيبات عن فخار متجانس يشبه فخاريات وادي الرافدين ونهر سيروان، وأدوات حجرية وصوانية، وآلات برونزية، وخرز حجرية بينها قطعة من العقيق، إضافة إلى ختم أسطواني يعكس نشاطاً إدارياً وتجارياً منظماً، كما أن العثور على أحجار البازلت والأوبسيديان غير المتوفرة محلياً يشير إلى علاقات تبادل تجاري مع مناطق بعيدة. ووجدت أيضاً ألواح طينية مكتوبة بالمسمارية توثق توزيع الطحين والشعير على العمال، ما يثبت وجود جهاز إداري متطور يعتمد على جمع الموارد وإعادة توزيعها.

التنظيم الاجتماعي

تشير الاكتشافات إلى أن «كوناره» كانت مدينة متكاملة تحوي شبكة من المباني العامة والخاصة، وأن اللولوبيين عرفوا نظم الحكم من خلال وجود حاكم للمدينة يطلق عليه «إنسي»، إلى جانب مؤسسات اقتصادية وزراعية متقدمة، وهو ما يجعلهم مجتمعاً منظماً يناقض الصورة التقليدية عنهم كمجموعة بدوية. 

إعادة كتابة التاريخ

تؤكد هذه المعطيات أن اللولوبيين لم يكونوا مجرد خصوم عابرين، بل مجتمع مستقر متحضر، يمارس إدارة مركزية قوية، ويجيد التخطيط المدني والاقتصادي والتبادل التجاري. إن هذه الاكتشافات تضع حضارتهم ضمن السياق الأوسع لتاريخ شمال وادي الرافدين، وتفتح نافذة لفهم تفاعلهم مع حضارات الجبال والسهول المحيطة.

نقش أنوبانيني في سربل زهاب

دعوة للبحث

يشدد عالم الآثار كوزاد محمد أحمد على أن اكتشافات «كوناره» ليست نهاية القصة، بل بداية رحلة لإعادة اكتشاف حضارة اللولوبيين. ودعا في ختام حديثه لـ«كوردستان بالعربي»، إلى: 

1. مضاعفة البحث عن مدن لولوبية أخرى في سهل شهرزور والسليمانية.

2. دراسة لغتهم وهويتهم الثقافية بعيداً عن النظرة الآشورية الدعائية.

3. فهم دورهم كحلقة وصل بين حضارات الجبال وحضارات السهول.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved