وسام روسي على صدر أكاديمي كوردي
وسام روسي على صدر أكاديمي كوردي

في ظهيرة الرابع من تشرين الثاني 2025، وقف البروفيسور رشاد ميران تحت قبّة الكرملين، محاطاً بالممرات الرخامية التي مرّ عبرها قياصرة وملوك ورؤساء ومفكّرون. لم يكن ذلك المشهد اعتيادياً لرجل قادم من جبال كوردستان؛ بل لحظة فريدة ارتفع فيها صوت الثقافة الكوردية عالياً فوق واحدة من أكثر المنصّات رمزية في العالم.

وفي تلك اللحظة، عُلّق على صدره «وسام بوشكين»، أحد أرفع الأوسمة الثقافية الروسية، والذي تأسس في عام 1999. ولم تكن الحكاية حكاية «جائزة» فحسب؛ بل قصة عبور عَلَمٍ كورديّ لخرائط السوفييت واللجوء والجامعات ودوائر البحث، حتى وجد طريقه إلى قاعة الكرملين.


من شقلاوة إلى لينينغراد

وُلد رشاد ميران عام 1952 في شقلاوة. ومع بداية السبعينات حمل شغفه باللغة والثقافة إلى بغداد، حيث التحق بكلية الآداب، قبل أن ينتقل بعد سنوات قليلة إلى لينينغراد، إحدى أهم المدن العلمية في الاتحاد السوفييتي آنذاك.

هناك، في أروقة الجامعات الروسية، تعلّم ميران النظر العميق إلى الإنسان والمجتمع، وامتلك أدوات الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا. لم يكن طالباً عادياً؛ بل شاباً يرى في دراسة الشعوب طريقاً لفهم شعبه. وبعد إنهاء دراساته العليا، لجأ إلى السويد لسنوات، ثم عاد إلى أربيل أستاذاً وخبيراً واسماً معرفياً حاضراً في قاعات الجامعة، وفي المؤتمرات ومشاريع البحث.

وعلى امتداد عقود، لم يصنع ميران بصمته العلمية من اللاشيء، بل عبر الكتابة والتأريخ والتحليل والترجمة، وعبر بقائه قريباً من طلابه ومن حقل البحث ذاته.

50 عاماً من التواصل العلمي

حين سألته مجلة «كوردستان بالعربي» عن كيفية وصول اسمه إلى اللائحة الروسية، قال بابتسامته الهادئة: «وصلتني الدعوة من القنصلية الروسية في أربيل في نيسان 2025. وقيل لي إنه تم ترشيحي للجائزة تقديراً لجهودي في التقريب بين الثقافتين واللغتين الروسية والكوردية عبر الكتابة والترجمة».

لم يكن ذلك ترشيحاً عابراً. فقد رُشِّح مع ميران في تلك الدورة العشرات من اليابان وألمانيا وأفريقيا والعالم العربي والقوقاز وآسيا الوسطى. لكن أن يصل اسم عالم كوردي من أربيل إلى قائمةٍ بهذا الاتساع والشهرة، يعني أن وراء ذلك شيئاً أكبر من الصدفة؛ إنه ثمرة 50 عاماً من البحوث والكتب والدراسات والترجمات التي أعادت فتح باب التواصل العلمي بين روسيا وكوردستان.


ما الذي يجعل وسام بوشكين مختلفاً؟

قد يبدو هذا الوسام الثقافي تكريماً بروتوكولياً، لكنه في الحقيقة وسام يحمل أهمية كبيرة على المستويين الثقافي والأكاديمي. فهو يرتبط باسم ألكسندر بوشكين، أحد أبرز مؤسسي الحداثة الأدبية الروسية.

ففي روسيا، لا يُعدّ بوشكين شاعراً فحسب؛ بل رمزاً وذاكرة وهوية. ومنح وسامه لشخص من خارج روسيا هو إعلان احترام وثقة لذلك الشخص. وعندما يحمله كوردي، فذلك يعني أن الثقافة الكوردية أصبحت جزءاً من الحوار الثقافي - الروسي، وأن الجسور التي بناها العلماء السوفييت قبل قرن، تجد اليوم من يعيد وصلها.

ماذا قال بوتين لرشاد ميران؟

لم تتح فرصة طويلة للحوار خلال الحفل بين العالم الكوردي والرئيس الروسي الذي قدّم الوسام، لكن اللحظة التي جمعت بينهما بقيت لافتة. يقول ميران:«خلال التصوير قلت للرئيس بوتين: أتمنى أن يأتي يوم نرحّب فيه بكم في كوردستان. فابتسم وقال: يسعدني ذلك».

لم تكن جملة بروتوكولية فحسب؛ بل إشارة إلى أن اللقاء حمل معنى يتجاوز لقاءَ أكاديمي بمؤسسة سياسية؛ إنه لقاء بين ثقافتين ظلّتا تتحاوران عبر كتب وبحوث وأجيال من العلماء.

روسيا والكورد

حين تحدّث ميران عن هذه العلاقة، بدا كمن يفتح خزانة ممتلئة بالأسماء. فمنذ القرن التاسع عشر اهتمّ عدد من العلماء الروس بالكورد ولغتهم وثقافتهم، مثل يغزاروف، وجوكوفسكي، ومينورسكي. ثم جاء العهد السوفييتي ليقدّم جيلاً آخر ترك بصمته العميقة: مار، وفيلشيفسكي، وأوربيلي، وتسوكرمان، ورودينكو، وكوردوييف، وفاسيلييفا، وزاري، وموسايليان وغيرهم. هؤلاء جميعاً صنعوا كنزاً معرفياً رسم ملامح فهم الروس للكورد، ودوّنوا مراجع تُدرّس حتى اليوم.

وفي هذا الامتداد التاريخي، جاء رشاد ميران ليضيف طبقة جديدة: معرفة كوردية مكتوبة بالكوردية، منقولة إلى الروسية، وموجّهة إلى العالم، لتكتمل بذلك رحلة علمية امتدت لأكثر من قرن.

ماذا بعد الجائزة؟

لا يرى البروفيسور ميران الجائزة محطة وصول. فحين سألته عن خطواته التالية، قال بثقة:

«سأواصل الكتابة والترجمة والعمل الأكاديمي. وفي خطابي أمام الرئيس الروسي أكدت على أهمية دعم الناطقين بالروسية كي لا ينفصلوا عن النتاج الفكري الروسي».

لم يتحدث ميران عن نفسه فقط؛ وإنما عن أجيال كوردية قادمة تحتاج إلى الأدوات اللغوية والعلمية ذاتها التي مهّدت طريقه.

لغة حيّة

وعن اللغة الكوردية يرى ميران أن «الكوردية لغة حيّة وغنية، وأثبتت قدرتها على التعبير في جميع المجالات، خاصة في جنوب كوردستان. لكنها بحاجة إلى مزيد من الاهتمام من المؤسسات التعليمية والثقافية، وإلى حماية دورها كلغة أم في الحياة اليومية»، مشيراً إلى أن قوة اللغة تُقاس بقدرتها على العيش والحضور في الشارع والمدرسة والبيت، لا في الكتب وحدها.


التسامح… العلامة الفارقة لكوردستان

وفي حديثه عن واقع التعايش في الإقليم، قال ميران إن «التسامح هو من أبرز ما يميز كوردستان. مقارنةً بمحيطها الإقليمي والعالمي. نجحت كوردستان في تجاوز موجات العنف الطائفي وتمسّكت بثقافة احترام التنوع».

ثم أضاف: «في ظل الظروف الجيوسياسية المعقّدة، يحق للإقليم أن يفخر بدوره الإنساني. فقد احتضن اللاجئين من العرب والمسيحيين والإيزيديين الهاربين من داعش، وكان ذلك حدثاً إنسانياً محل تقدير عالمي».

لحظة انتصار ثقافي

تكريم رشاد ميران ليس حدثاً يُضاف إلى أرشيف الجوائز؛ إنه لحظة يتقاطع فيها التاريخ الشخصي مع تاريخ شعب كامل، ولحظة تؤكد أن الثقافة الكوردية، رغم التحديات، قادرة على بلوغ المنصّات الدولية حين يحملها أشخاص يدركون قيمتها الحقيقية.

من جبال شقلاوة إلى ثلوج لينينغراد.. ومن سنوات اللجوء في السويد إلى أروقة أربيل.. ومن قاعات الجامعة إلى القاعة الكبرى في الكرملين. هذه هي رحلة عالم لم يتخلَّ عن هويته، ولم يساوم على علمه، ولم يطلب الأضواء. فجاءته الأضواء من أبعد مكان.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved