بعد سنوات طويلة، غدت بوابة مدينة دهوك من جهة الشرق، خالية من ورش صيانة السيارات بضجيجها ودخانها الأسود ومخلفاتها الملوثة، لتتحول إلى رمز حضري يعكس الرؤية المستقبلية لحكومة الإقليم. وعلى تلك الأرض التي كانت تشكل لعقود تحدياً بيئياً، أُنشئ مُتنزه «سَرهلدان». وبموازاة ذلك، يتواصل العمل على مشروع أخضر ثان عملاق هو متنزه «آلوكا»، في خطوة تُترجم فلسفة جديدة للتنمية المستدامة في المحافظة.
الصور: آري جلال
من التلوث إلى الجمال
وضع رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، حجر أساس مُتنزه «سَرهلدان» عام 2024. والهدف لم يكن تجميلياً فحسب، بل تحويل أرض ملوثة بالزيوت والغازات ومخلفات السيارات إلى تربة خصبة وخضراء. كلف المشروع أكثر من أربعة مليارات دينار وشُيّد على مساحة 122000متر مربع، خُصصت نسبة 75% منها للمساحات الخضراء، بالإضافة إلى زرع آلاف الأشجار والنباتات الملائمة مع مناخ دهوك.
ومع افتتاح المُتنزه في سبتمبر 2025، أصبح الموقع رئة بيئية متكاملة، تضم مطاعم، ومقاهي، ونافورات، ومسرحاً رومانياً، ومناطق للأطفال، والرياضة، بالإضافة إلى مواقف للسيارات. وفي مراسم الافتتاح، أوضح رئيس الحكومة، أن فكرة المشروع تبلورت من زيارات سابقة له للمنطقة، لاحظ خلالها وجود نقص في الخدمات المقدمة لحي بروشكي، مؤكداً على أن أهالي الحي، الذي يضم العديد من عوائل الشهداء والبيشمركة البواسل، أغنياء بحبهم لوطنهم ويستحقون أفضل الخدمات، لذا جاء القرار بإنشاء هذا المتنزّه.
من جانبه، تحدث المهندس المساهم في تصميم مُتنزه «سَرهلدان»، ريبر محمد، لمجلة «كوردستان بالعربي»، عن المشروع قائلاً إن «العمل نفذ بحرفية عالية؛ لأن تحويل أرض ملوثة بالمخلفات إلى بارك يرافقه تحديات لتنظيف التربة ومعالجة التلوث وتهيئتها ثم تصميم المُتنزه يضمن أكبر مساحة ممكنة من الخضرة خلال عام واحد».
آلوكا.. مدينة المستقبل
وحول المشروع الثاني، مُتنزه آلوكا، وبحسب تصريح شيروان حسن شاهين المتحدث باسم بلدية دهوك، فإن المشروع ضخم يشغل مساحة 1.650.000 متر مربع، أي ما يعادل مساحة مدينة صغيرة، وقد صمم المشروع بحيث تشكل 70% من مساحته مناطق خضراء مع إنشاء غابات اصطناعية وبحيرات وأنهار داخلية من شأنه أن يُحدث تحولاً بيئياً في المدينة.
استثمار استراتيجي
ويشير شاهين، في حوار مع «كوردستان بالعربي»، إلى أن هذه المبادرات (إنشاء المُتنزهات) تمثل استثماراً استراتيجياً في جودة حياة المواطنين، وهي جزء من رؤية شاملة لنقل دهوك من مدينة ملوثة إلى مدينة حديثة صديقة للبيئة.
«سَرهلدان» و«آلوكا»، ليسا مجرد مشروعين جماليين، بل بيان حضري متكامل يضع دهوك على طريق التنمية المستدامة، ويبرهن أن الإرادة السياسية الموجهة نحو البيئة والتحسين الحضري قادرة على تحويل أكثر البقاع تلوثاً إلى لوحة طبيعية نابضة بالحياة، ومن دخان أسود إلى رئة خضراء.
ولا تقتصر أهمية المشروعين على الجمال فقط، فالمساحات الخضراء تعمل على تنقية الهواء وامتصاص الغبار والغازات الضارة، وخفض درجات الحرارة نحو 5 - 10 درجات مقارنة بالمناطق الخرسانية، وتعزيز المياه الجوفية وحماية التربة، وفقاً للخبير البيئي كارزان سعدي محمود، الذي أضاف لمجلة «كوردستان بالعربي»، أن «نقل المناطق الصناعية وإنشاء المتنزهات يسهمان في خلق نظام بيئي يُحسن صحة المواطنين»، مُشدداً على «ضرورة أن تكون هذه الخطوات بداية لاستراتيجية وطنية أشمل تُفضي إلى إنشاء متنزهات على شكل مشاريع وطنية من خلال القانون».
«سَنترال بارك» دهوك
تشكل مساحة مشروعي «سَرهلدان» و«آلوكا» معاً حوالي 1.77 كلم²، أي ما يعادل نصف مساحة «سنترال بارك» في نيويورك بالولايات المتحدة تقريباً. ولتحويلهما إلى أيقونة حضرية شبيهة، تحتاج دهوك إلى تبني استراتيجية متكاملة: تعزيز الاستدامة البيئية بغابات محلية ومسارات للدراجات، وخلق برنامج ثقافي وترفيهي دائم يجذب الزوار على مدار العام، وتطوير نموذج إداري وتمويلي مبتكر يضمن الصيانة المستمرة والتنمية، وربط المتنزهين بشبكة مواصلات خضراء ليكونا قلباً نابضاً للمدينة ووجهة سياحية راقية.