في ديوان رشاد المفتي بأربيل، كان هناك رجل يجلس في مكانه المعتاد بتواضع العالِم وأدب الطالب. يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يطرح سؤاله بكل تواضع. إنه الأستاذ زبير بلال إسماعيل، المؤرخ الذي حوّل صمته إلى كتب، وأسئلته إلى معرفة خالدة.
بذرة في تربة العلم
وُلد زبير في أربيل عام 1938، من أسرة دينية عُرفت بحبها للعلم والأدب. كانت نشأته الأولى تمهيداً لما سيصبح عليه، باحث دقيق لا يقبل بالسطحية. دخل المدرسة الابتدائية عام 1945 وتخرج منها بتفوق، ليواصل تميزه في المراحل المتوسطة والإعدادية. في عام 1956، التحق بكلية الآداب في جامعة بغداد، قسم الآثار والحضارة، ليتخرج عام 1960 بدرجة امتياز كأول طالب على دفعته، وكأول كوردي ينال شهادة البكالوريوس في الآثار والحضارات القديمة. الباحث الصامت و«علماء ومدارس» كان زبير بلال إسماعيل من الباحثين الصامتين الذين لا يُشهرون أنفسهم، بل أعمالهم هي التي تجلب الشهرة لهم. كان متواضعاً إلى أبعد الحدود، وكان ينير الدرب لطلاب العلم والدارسين والباحثين. أتذكر أول عمل أدبي ربطني به، كان في بداية الثمانينات، حين كتبت أول مقالة لي باللغة العربية، سلّمتها في ديوان والدي إلى مؤرخنا الكبير لأعرف رأيه. وحين اقترح على والدي فكرة كتابة معلومات عن المدارس الدينية في أربيل وأبدى نيته في جمع المعلومات، رحّب والدي بالفكرة ووعده بجمع المعلومات عن علماء أسرتنا، مثل ملا كجكة. ولعبتُ أنا دور المساعد في جمع المعلومات وتدوينها، وكنت أتشاور معه في كتابة النصوص. وأصبح هذا البحث من بين أوائل المواضيع في كتابه القيّم «علماء ومدارس في أربيل» الذي طُبع في الموصل، ليصبحَ مرجعاً أساسياً للطلاب والباحثين. مسيرة التعليم والتفرغ للبحث عُيّن الأستاذ زبير مدرساً للتاريخ في ثانوية أربيل، ثم نُقلت خدماته إلى معهد المعلمين. وبعد 25 عاماً من العطاء في التدريس، أحال نفسه على التقاعد ليتفرغ كلياً لما اختاره طريقاً: كتابة بحوثه وإكمال تأليفاته القيمة عن تاريخ الكورد وكوردستان، خاصة التاريخ القديم وتراث أربيل الحضاري والتنقيبات الأثرية فيها. مقاومة الرقابة والبحث الميداني في عام 1978، أنهى زبير كتابه عن إمارة الكرد الهذبانية، ثمرة سنوات من البحث والتقصي في تاريخ إحدى أهم الإمارات الكردية. تقدم بمخطوطه إلى الجهات المختصة للحصول على إذن للنشر، لكن الرد جاء بعدم الموافقة. لكن إرادة المؤرخ كانت أقوى، فلم يستسلم زبير؛ بل انتظر الفرصة المناسبة، وفي منتصف الثمانينات نشر خلاصة كتابه في مجلة «كاروان»، متحدياً بذلك قرار المنع، مؤكداً أن الحقيقة التاريخية لا يمكن دفنها مهما حاولت السلطات. وعندما قرر الكتابة عن الشيخ چولي، أحد شيوخ الصوفية النقشبندية في كوردستان، اكتشف أن المصادر المكتوبة عنه شحيحة، فنزل إلى الميدان: تتبع آثار الشيخ چولي في أحياء أربيل وقراها، دخل المساجد القديمة. من هذا الجهد الميداني الشاق، تجمعت لديه معلومات وافية أصبحت محور كتابه «الشيخ جولي» (عام 1989)، وهو الكتاب الوحيد عن هذا الشيخ الجليل. حضور متواصل في المجلس لم يكن مجلس والدي رشاد المفتى (1915 – 1992) بالنسبة لزبير مجرد مكان للزيارة الاجتماعية، بل كان حقلاً ومختبراً يوصله إلى ينابيع الحقائق التاريخية. كان المجلس يجمع روّاداً من مختلف الأعمار في جلسات علم وثقافة وتاريخ. من بين هؤلاء الرواد كان العم عبد جاسم (مواليد 1897)، الذي حكى مرة: «كنا ننقل، من تكريت عن طريق أسكي كَلَك، المؤن والبضائع إلى المدن المطلة على نهر دجلة في بداية الحرب العالمية الأولى. كان النهر مزدحماً بالأكلاك: بعضها للتجارة، وبعضها يحمل جرحى الحرب وأنين الجنود». مثل هذه الرواية البسيطة تحمل في طياتها معلومات شفوية ذات قيمة تاريخية؛ تفاصيل لا توجد في الكتب الرسمية. كان زبير ينصت بأذن صاغية، وهكذا بنى معرفته من التاريخ الشفاهي الحي المتدفق من المعمرين والمثقفين. وصية مؤرخ.. زبير وإرثه الذي ينتظر النور في أواخر عام 1998، كان الأستاذ زبير طريح الفراش يصارع المرض. ضعف جسده لكن عقله ظل متوقداً، فكتب دراسته «إمارة سوران.. وثائق جديدة في نهوضها وسقوطها». نُشرت بعد وفاته بأيام في مجلة «زاگروس» عام 1998، كوصيته العلمية الأخيرة، مُذكّراً بكبار العلماء الذين ظلوا يكتبون حتى آخر رمق. أصدر زبير كتباً تاريخية قيّمة منها: «أربيل في أدوارها التاريخية» (1971)، «تاريخ اللغة الكوردية» (1977)، «ابن خلكان» (1979)، «علماء ومدارس في أربيل» (1984)، «الشيخ چولي» (1988)، و«ثورات بارزان» (1998). وكتب أكثر من 250 بحثاً، وكان عضواً فاعلاً في هيئات تحرير مجلات متعددة وخبيراً في المديرية العامة للآثار. لكن الكنز الأكبر هو ما تركه من مخطوطات: مؤلف ضخم من ثلاثة أجزاء عن أعلام أربيل، وأكثر من 12 كتاباً معداً للطبع، منها «تاريخ الكورد وكوردستان القديم»، «الأمارة الهذبانية»، «إمارة رواندوز»، «التراث الشعبي في أربيل»، و«الكورد في المعاهدات الدولية». ولا شك في أن نشر هذه المخطوطات واجب وطني تجاه الأجيال التي تستحق معرفة تاريخها كاملاً. استمرار التواصل والرحيل المزدوج في 12 سبتمبر 1992، رحل والدي رشاد المفتي، فكان لرحيل المفتي وقع أليم على مؤرخنا، فنعاه بمقالة رائعة وصف فيها مشهد التشييع الشعبي. وواصل زبير حضوره شبه اليومي إلى ديوان المفتي، وكأنه يحافظ على وعد غير معلن، أو كأن روح ذلك المجلس العلمي ما زالت تستدعيه. احتفظ زبير بمكانته الرفيعة بيننا نحن أبناء رشاد المفتى. وفي أغسطس 1996، خلال أحداث أربيل المؤلمة، غادرت مدينتي إلى المنفى، واستقر بي المقام في هولندا، بعيداً عن ديوان والدي، بعيداً عن المجالس التي كان يحضرها زبير. وفي 15 ديسمبر 1998، وصلني النبأ المؤلم إلى هولندا: رحيل زبير بلال إسماعيل. شعرت بفقدان مضاعف: فقد كان زبير الشاهد الحي على ذلك الزمن، والآن رحل هو أيضاً، تاركاً وراءه فراغاً كبيراً. والأكثر ألماً في رحيله أنه ترك كتباً مخطوطة يتيمة تنتظر من يرعاها. اسم منقوش في تاريخ أربيل قلمي جزء من الأقلام التي تحاول أن توفي ما قدّمه زبير للمدينة وللتاريخ. فلقد كنت في الغربة أحسّ بهذا الدَّين، وهو عندي أحد الباحثين المؤرخين الذين ندين لهم بالكثير، لكن زبير كانت لنا معه رفقة عمر: ذكريات، وكتابة، وتاريخ مشترك. لذا يختلف ذِكره عن الآخرين. واليوم، عندما تدخل مدينة أربيل من مدخلها الرئيسي على الشارع المئوي، تستقبلك ساحة تحمل اسم «زبير بلال إسماعيل». وفاؤنا بالكتابة عنه هو رمز لانتصار القلم على النسيان، رمز لأن الذين يخدمون أمتهم بالمعرفة لا يموتون، بل يتحولون إلى جزء من المكان نفسه. فأصبحت الرفقة مع المؤرخ جزءاً من الذاكرة والتاريخ.
المؤرخ زبير بلال إسماعيل، الأول من اليمين في الصف الثاني، الصورة من أرشيف فرع أربيل لاتحاد الكتاب الكورد 