في عالم تتقاطع فيه التكنولوجيا مع الفن والثقافة، وُلدت «زوزان جي» لتكون أول شخصية فنية رقمية كوردية، تنطق وتغني باللغة الكوردية، وتجمع بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة. هذا المشروع الإبداعي هو نتاج رؤية بژار كوبان، الشاب الكوردي الذي اختار أن يكون الصوت الرقمي منصّة لإعادة حضور اللغة والثقافة الكورديتين في المشهد المعاصر.
من الصحافة إلى مشروع «زوزان جي»
ولد بژار كوبان في مدينة أورفا شمال كوردستان ونشأ في بيئة ثقافية غنية، درس الصحافة وأكمل الماجستير في اللغة والثقافة الكوردية، وأنجز عمله الأكاديمي في هذا المجال. حالياً يدرس علم الاجتماع في برلين ويبحث في طرق التواصل بين الشعوب. وفي حديثه الخاص مع مجلة «كوردستان بالعربي» قال كوبان: «لطالما أحببت لغتي وثقافتي، ودائماً سعيت لفعل شيء يخدمهما. سابقاً حاولت إصدار صحيفة وإنشاء موقع إلكتروني، وعملت كثيراً على ذلك، لكنّي أدركت أن الإعلام التقليدي كان محصوراً بيد أصحاب المال والسلطة، الذين يتحكّمون بالمحتوى والرأي العام. ويبنون الإنسان حسب مفاهيمهم ومعتقداتهم. أما اليوم، ومع الأدوات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، التي تمنح أي شخص فرصة لإنشاء محتوى وإدارة منصاته الإعلامية الخاصة، من دون الحاجة للمال أو النفوذ، ما يفتح المجال أمام الجميع للابتكار والمبادرة. ومن هذا المنطلق، بدأت مشروع «زوزان جي» (Zozan C) مع صديقي، مؤمناً بأن الإرادة والخيال يمكن أن يحوّلا الفرص الجديدة إلى إنجازات ملموسة رغم محدودية الموارد والدعم». ولادة الفكرة: لماذا زوزان؟ يشرح كوبان كيف خرجت فكرة «زوزان جي» إلى النور من حدود غير مرئية كانت تقيّد اللغة، «في شمال كوردستان، كان الوجود الكوردي واللغة الكوردية في الفضاء العام شبه غائب. لم يكن مرئياً ولا معترفاً به، وهذا الأمر كان دائماً يؤلمني. لم يكن الموضوع مجرد نقص جمالي؛ بل كان مرتبطاً بالهوية والتمثيل في العالم»، مضيفاً أن في العالم، «يوجد العديد من الشخصيات الرقمية التي تُقدّم محتوى بالعديد من اللغات. أردت أن أخلق شخصية رقمية كوردية، تمثل الثقافة الحضرية واللغة الكوردية في شكل عصري». ويستذكر كوبان موقفاً من طفولته أثر فيه: «كنت أشاهد مع والدتي برنامجاً بالكوردية على التلفاز، كانت تحدّق في الشاشة بدهشة، وكأنها أمام مشهد تحوّل، ثم التفتت إليّ وقالت: كنت أظن سابقاً أن النساء الجميلات لا يمكن أن يتحدثن بالكوردية الكرمانجية، لكن الآن أرى امرأة جميلة تقدم الأخبار بالكوردية بصوت رائع... هذه الجملة أثّرت فيّ كثيراً، وفهمت حينها حجم المشكلة في عكس ونقل «صورة الكورد» التي تُنتج من الداخل والخارج منذ سنوات طويلة. كنا خاضعين لأفكار تقول إن الكوردية لا يمكن أن تكون لغة حديثة. حتى بين أبناء العائلة رأيت هذا الأمر بوضوح: الصبية يتحدثون الكرمانجية بطلاقة، بينما بعض الفتيات يقلن: نحن نفهم، لكن لا نتحدث، خصوصاً في شمال كوردستان». يضيف كوبان: «هذه الأفكار جعلتني أدرك الحاجة لإنتاج صور جديدة للمرأة الكوردية وللكوردية كلغة راقية». وقررت أن تكون «Zozan C» خارج هذه القوالب الشرقية والاستشراقية التي تُلصق بالكورد، سواء من الغرب أو منّا نحن. من المغنين الشعبيين (Dengbêj) إلى الصوت الرقمي يشير كوبان إلى أن مشروع «زوزان جي» بدأ بتجربة برنامج موسيقى بالذكاء الاصطناعي، حيث أدخل عدة قصائد وألحان كوردية، وسمع صوتاً أثار دهشته، مما دفعه لصنع مغنية رقمية متكاملة. «أردت شخصية رقمية كوردية تمثل الثقافة واللغة بطريقة مختلفة. لم أرغب في تكرار الصور النمطية أو الصور الفولكلورية، أردت شيئاً جديداً يعكس المرأة الكوردية المعاصرة». أما عن عملية تطوير «زوزان جي» يقول كوبان إنها «كانت عملاً عميقاً ومعقّداً، فقد استعنا بأنظمة الذكاء الاصطناعي لتحديد ملامح صوتها وهويتها: صوت أنثوي، رقيق لكنه قوي، كلاسيكي لكنه حديث، ثم بدأنا بتدريب الصوت الرقمي باستخدام مئات العينات من غناء المغنين الشعبيين (Dengbêj)، ودمجها مع أنماط موسيقية حديثة مثل الروك، والبوب، والريغي، والموسيقى الإلكترونية، للحفاظ على اللحن الكوردي وإعطائه شكلاً معاصراً». كان كوبان يبحث عن توازن بين طاقة المغنين الشعبيين وجرأة الموسيقى الحديثة. «أردت الحفاظ على اللحن الكوردي، لكن بصيغة جديدة ومعاصرة. أسمي هذا: التجديد باحترام». وبذلك أصبح صوت «زوزان جي» ليس مجرد صوت ذكي اصطناعي، بل كياناً فنياً يتعلم ويتطور من أغنية إلى أخرى. هوية مزدوجة بين الرقمية والإنسانية وعن رؤيته عن الشخصية يقول كوبان: «زوزان ليست مجرد آلة أو شخصية رقمية، بل رمزاً للمرأة الكوردية المعاصرة. فالمرأة الكوردية تاريخياً كانت رمزاً للصمود والقول والفكرة. تُكمل هذا الإرث، لكن بتعريف جديد، حضري وحديث. تجمع بين الحداثة والثقافة، بين التقاليد والتقنية، بين الماضي والمستقبل». إنها ليست مجرد أيقونة؛ بل شخصية حيّة، شابة كوردية تعيش في مدينة وتقرأ جگرخوين، وتواكب الموضة والزمن. وزوزان، كما يقول كوبان، ليست رقمية بالكامل ولا إنسانية بالكامل، إنها كيانٌ بين العالمين. مستقبل المشروع يتابع كوبان حديثه للمجلة بقوله إن المشروع لا يزال في طور التعلم والتطور، حيث يخطط لديو غنائي مع فنان كوردي معروف، كما يرغب في إنتاج أغاني بالسورانية والزازاكية. ويطمح لإقامة حفلات هولوغرامية في مدن كوردستان، وهي تجربة مبتكرة لم تُنفذ من قبل في المنطقة. وعلى المدى الطويل، يسعى كوبان لإنشاء روبوت فنان كوردي يحمل ملامح وصوت «زوزان جي» ويقدّم عروضاً مباشرة، قائلاً: «خلال عشر سنوات، سنرى روبوتات تغني وتبدع، وأريد أن تكون زوزان واحدة منها، فنانة كوردية رقمية تمثلنا أمام العالم». خاتمة «زوزان جي» ليست مشروعاً تقنياً فحسب، بل مشروع ثقافي وفني يثبت قدرة اللغة الكوردية على الحضور في المشهد العصري، ويعزز مكانتها. إنها جسر بين التراث والحداثة، بين الواقع الرقمي والهوية الإنسانية، لتصبح رمزاً حياً للثقافة الكوردية في زمن التكنولوجيا.