في الرابع عشر من آذار، لا نحتفي بمجرد تاريخ، بل نستذكر اللحظة التي تقاطع فيها الزمن مع القدر، ليُهدي الكوردَ فجراً جديداً تجسد في صورة رجل. «مصطفى بارزاني» ليس مجرد اسم عابر في دفاتر التاريخ، بل هو المبتدأ الذي أعاد صياغة الخبر الكوردي، والبوصلة التي وجهت سفينة الأمة نحو مرافئ الحق والكرامة حين كانت الرياحُ عاتية والظلماتُ حادقة.
لقد كان ميلاده إيذانًا بانبثاق وعيٍ قومي جديد. نشأ مصطفى بارزاني في كنف مدرسة «بارزان» العريقة، تلك التي لم تكن مجرد بقعة جغرافية، بل كانت محراباً للعلم وساحةً للنضال. من ركام الانكسارات وقيود التبعية، نهض هذا الشاب ليكون وريثاً لآلام شعبه وآماله، حاملاً على عاتقه إرثاً من التضحيات الجسام التي قدمتها أسرته ثمناً لانعتاق الأمة من أغلال المصالح الدولية والغطرسة الإقليمية.
لم يكن بارزاني يملك جيوشاً جرارة حين وقف في وجه الأنظمة المستبدة، بل كان يملك إيماناً يزعزع الجبال، وثلة من الرجال الذين رأوا في عينيه خارطة الوطن. جعل من «بارزان» حصناً للممانعة وصرخةً في وجه الإملاءات، مؤمناً بأن الحكم الذي لا يستمد شرعيته من نبض الشعب هو حكمٌ زائل، مهما تفرعن.
وحتى حين أراد القدر له أن يعيش مرارة المنفى وقيود السجن، ظل بارزاني «الرجلَ الظل» الذي يمتد تأثيره خلف القضبان والحدود. لم تكن الدعاية لتنال من هيبته، ولا التهديدات لتفتّ في عضده، فقد كان يتسلح بوضوح الرؤية وعمق الحجة، مما جعله خصماً لا يُهزم معنوياً، وقائداً ملهماً لولادة تجارب الحكم القومية التي نراها اليوم.
إن المتأمل في مسيرة هذا الرجل يجد «تقويماً للمنجزات» نُحت بصبر الأنبياء وعزيمة الثوار. لقد صمد أمام إغراءات المساومة، ونجا من فخاخ الاغتيال، وتجاوز محاولات تمزيق الصفوف، ليظل نسيجاً وحده في القيادة. جمع بين هيبة القائد وزهد الزاهد، وبين حنكة السياسي وعفة النفس التي قلما تجتمع في رجلٍ واحد.
عاش الرجل لأجل أمته، وتماهى مع جراحها، ورحل بعد أن غرس في كل قلب كوردي شتلةً من الحرية، ورسم طريقاً واضحاً لا يحيد عن الحق والعدالة. إننا اليوم، إذ نستذكر ميلاده، فإننا نحتفل بالقيم التي لا تموت، وبالرمز الذي صار قَدراً جميلاً لأمةٍ تأبى النسيان.