افتتاحية العدد التاسع عشر
افتتاحية العدد التاسع عشر
May 08, 2026

منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كان واضحاً أن إقليم كوردستان سيجد نفسه في قلب العاصفة، لا لأنه اختار ذلك، بل لأن موقعه السياسي والجغرافي يضعه دائماً على خطوط التماس. ومع ذلك، فإن حجم الاستهداف الذي تعرض له لم يكن متوقعاً، ولا الطريقة التي قرر بها أن يواجه بها الأحداث..

وإن ما سقط على الإقليم، خلال شهر واحد فقط، لا يقل عن 460 صاروخاً وطائرة مسيّرة، ولم تكن هذه مجرد أرقام، بل كانت رسائل ضغط متكررة، طالت أربيل بشكل رئيسي، وامتدت إلى السليمانية ودهوك وحلبجة. الكثير منها وصل إلى الأحياء السكنية ومخيمات اللاجئين ومواقع تجارية، مسبباً بسقوط ضحايا مدنيين وبخسائر مباشرة. ومع ذلك، ورغم هذا القصف المستمر، بقي الإقليم ثابتاً على موقفه في كونه «لن ينجر إلى أن يصبح طرفاً في هذه الحرب».

ولم يكن هذا القرار سهلاً، ولا رمزياً. فبالتوازي مع الهجمات، تعرض الإقليم لضغط مركّب من بغداد؛ اقتصادياً عبر تقييد الدولار ووقف تصدير النفط، وسياسياً عبر محاولات تحميله تبعات صراع لا علاقة له به، وأمنياً عبر نشاط فصائل مسلحة تعمل خارج إطار الدولة داخل العراق. كل ذلك كان كفيلاً بدفع أي كيان إلى إعادة حساباته، لكن ما حدث كان العكس تماماً.

فقد اختارت حكومة إقليم كوردستان ورئاسة إقليم كوردستان أن تتعامل مع الأزمة بمنطق مختلف: التحييد الكامل للإقليم عن الحرب، مهما كانت التكلفة. ولم يسمح الإقليم باستخدام أراضيه لاستهداف أي دولة، ورفض انخراط أي قوى مسلحة - بما فيها التابعة للمعارضة الإيرانية - في القتال انطلاقاً من الإقليم، وذهبت أبعد من ذلك عبر تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لتثبيت هذا الموقف دولياً.

بهذا المعنى، لم يكن الإقليم سلبياً، بل كان يمارس نوعاً من «الحياد الصلب»؛ حياد يُفرض على الأرض، لا يُعلن فقط في البيانات. وفي بيئة إقليمية تتسابق فيها بعض الأطراف لتوسيع رقعة الحرب وإدامتها، بدا هذا الخيار استثناءً لافتاً.

والنتيجة أن الإقليم، رغم كونه الأكثر تعرضاً للهجمات داخل العراق، كان - في الوقت ذاته - الأكثر وضوحاً في موقفه والأكثر تماسكاً في قراره. فلم ينجر إلى ردود فعل، ولم يسمح بتحويل أراضيه إلى ساحة تصفية حسابات، ولم يساوم على استقراره الداخلي. وفي المقابل، بدأ يحصد شيئاً آخر، ثقة دولية متزايدة، ودعماً سياسياً واضحاً، وصورة تتكرس تدريجياً كمنطقة يمكن الاعتماد عليها في بيئة مضطربة.

صحيح أن التكلفة كانت عالية؛ شهداء وجرحى، وضغط اقتصادي، وتوتر أمني دائم. لكن هذه الخسائر، في سياقها الأوسع، لم تكن نتيجة خيار الإقليم، بل نتيجة موقعه. أما خياره الحقيقي، فقد كان في كيفية التعامل مع هذه التكلفة، وهنا تحديداً برز الفارق.

بعد شهر من الحرب، يمكن القول إن إقليم كوردستان لم يخرج منتصراً بالمعنى التقليدي، لكنه نجح في ما هو أصعب؛ أن يبقى خارج الحرب وهو في قلبها. وهذا بحد ذاته ليس مجرد موقف، بل استراتيجية متكاملة، تثبت أن الاستقرار في هذه المنطقة ليس صدفة، بل قراراً.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved