حين تعبر عتبة مبنى القنصلية المصرية الفخم الواقع في حي وزيران الراقي وسط مدينة أربيل، تشعر للوهلة الأولى أنك انتقلت إلى فضاء دبلوماسي من طراز رفيع؛ شدَّت بصري صورةٌ معلَّقة على جدار القاعة الكبرى، تجمع بين زعيمين راحلين خلَّدهما التاريخ: الملا مصطفى بارزاني والرئيس جمال عبد الناصر. لم تكن تلك الصورة مجرد لقطة فوتوغرافية من أرشيف الزمن الغابر، بل كانت شاهداً صامتاً على عمق العلاقات الكوردية المصرية وامتدادها عبر عقود وأجيال.
استقبلنا سعادة القنصل العام لجمهورية مصر العربية في أربيل، السفير محمود فاروق يوسف عامر، بترحاب لافت ودفء دبلوماسي حقيقي، وأدار معنا حديثاً شاملاً تطرَّق فيه إلى ملفات الاستثمار، وتفاصيل زيارة رئيس مجلس وزراء إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، إلى القاهرة، فضلاً عن انطباعاته عن الإقليم وشعبه، وعن الإرث الكوردي العميق في الوجدان المصري.
الزعيم الراحل الملا مصطفى بارزاني لدى زيارته مصر في رحلة عودته من الاتحاد السوفييتي إلى العراق واستقباله من قبل الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر
الاستثمار المصري في كوردستان استهل السفير محمود فاروق حديثه لمجلة «كوردستان بالعربي» بتقييم الحضور الاستثماري المصري في الإقليم، مشيراً إلى أن القطاع الخاص المصري لا يزال في مرحلته الأولى هنا، غير أن ثمة مشروعين مصريين قائمَين يمثلان نواةً حقيقية لهذا الحضور. يتعلق المشروع الأول بقطاع المستلزمات الطبية، إذ يضم مصنعاً متخصصاً في إنتاج المحاقن الطبية والصمامات وسائر المستلزمات الصحية، ويبلغ حجم الاستثمار في هذا المشروع نحو خمسة ملايين دولار أمريكي، وهو ثمرة شراكة ثلاثية تجمع مستثمراً مصرياً مع شريكَين، أحدهما كوردي والآخر كندي. أما المشروع الثاني، فهو مصنع للمنتجات البلاستيكية يملكه مستثمر مصري بصورة كاملة، بقيمة استثمارية تبلغ مليونَي دولار. ويغطي أسواق إقليم كوردستان والعراق بأسره، ويشمل التصدير إلى السوق السورية أيضاً. وأوضح السفير أن المشاركة المصرية في المعارض التجارية والاقتصادية التي تُقام في أربيل تسير على نهج منتظم ومتواصل. ولعل أبرز مثال على ذلك، المشاركة الواسعة في معرض الكتاب الذي أُقيم العام الماضي، حيث مثَّل مصرَ وفدٌ كبير ضمَّ 60 داراً للنشر. وختم السفير هذا المحور بالتأكيد على أن الإقليم بات يوفر بيئة استثمارية جاذبة، مثنياً على الجهود التي تبذلها حكومة إقليم كوردستان في هذا الاتجاه، ومعرباً عن عزم بلاده على مواصلة السعي لجذب مزيد من الاستثمارات المصرية إلى الإقليم. زيارة مسرور بارزاني إلى القاهرة انتقل السفير محمود فاروق إلى الحديث عن زيارة رئيس مجلس وزراء إقليم كوردستان مسرور بارزاني إلى القاهرة في العشرين من ديسمبر 2025، واصفاً إياها بأنها كانت إيجابية على نحو استثنائي. بيد أن السفير أبى أن يختزل دلالة هذه الزيارة في تفاصيلها الراهنة، فأضاء أبعادها التاريخية العميقة قائلاً: «دعني أقول إن لهذه الزيارة مدلولاً ثقافياً وبُعداً آخر يتجاوز اللحظة الراهنة في العلاقات بين مصر وإقليم كوردستان». وتابع موضحاً أن جدَّ السید مسرور بارزاني، الزعيم الراحل ملا مصطفى بارزاني، كان قد زار الرئيس جمال عبد الناصر في طريق عودته من الاتحاد السوفييتي، ثم جاء والده الرئيس مسعود بارزاني ليزور بدوره الرئيس حسني مبارك في قصر الاتحادية مصطحباً معه ابنه الشاب مسرور. «واليوم نشهد زيارة الحفيد وجلساته المثمرة مع فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي»، قال السفير، وكأنه يشير إلى حمل الزيارة الأخيرة دلالةً تاريخية على استمرارية العلاقات وتوارثها جيلاً بعد جيل. وعلى صعيد مضمون مباحثات رئيس وزراء حكومة الإقليم في القاهرة، أفاد السفير بأن اللقاء تناول الأطر الكبرى لدعم العلاقات وتعزيزها بين القاهرة وأربيل، وفي مقدمتها الشق الاقتصادي والتجاري والثقافي. وأشار إلى أن الرئيس السيسي أبدى اطلاعاً عميقاً على تاريخ الشعب الكوردي وقضيته، مستذكراً أن مصر كانت سبَّاقةً إلى نشر أول مطبوع كوردي في التاريخ الحديث، حين أصدرت دار الهلال في القاهرة عام 1898 جريدةَ «كوردستان»، أولى الصحف الكوردية. كذلك أكد الرئيس السيسي لبارزاني موقفَ مصر الثابت القائم على دعم وحدة العراق أرضاً وشعباً، مع الإسناد الكامل لإقليم كوردستان. وتبادل الجانبان استعراض عدد من القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، كما عرض بارزاني رؤيته للأوضاع في سوريا وتركيا وإيران، في حين تحدث الرئيس السيسي، بناءً على طلب ضيفه، عن الموقف المصري من الأزمة في غزة والقضية الفلسطينية والتطورات الإقليمية الراهنة. وأكد السفير أن الزيارة التاريخية لمسرور بارزاني إلى القاهرة تُعدُّ لبنةً جديدة في صرح العلاقات المتينة والمتجددة بين أربيل والقاهرة. للبيشمرگة تضحيات يقدِّرها العالم لم يفُت السفير التوقف عند ملف الإرهاب الذي طال كلاً من إقليم كوردستان ومصر، إذ أشاد بالدور المحوري الذي اضطلع به الإقليم وقوات البيشمرگة في التصدي لتنظيم داعش ودحره. وقال في هذا الشأن: «نحن سعداء بالدور الذي قام به إقليم كوردستان العراق، ونقدر التضحيات الجسيمة التي قدمتها قوات البيشمرگة في مواجهة الإرهاب وتنظيم داعش، وهذا الموقف يثني عليه المجتمع الدولي بأسره». وأشار السفير إلى أن مصر هي الأخرى ذاقت مرارة الإرهاب حين عانت من تنظيم الإخوان المسلمين في أعقاب عام 2011، إلى أن أسقطت حكمهم الإرادةُ الشعبية الخالصة في ثورة الثلاثين من حزيران (يونيو) 2013، حين خرج أكثر من ثلاثين مليون مصري إلى الشوارع رافضين حكم التنظيم. ولفت إلى أن المجتمع الدولي بات شيئاً فشيئاً يُصنِّف هذا التنظيم في خانة المنظمات الإرهابية، مشيراً إلى أن الكونغرس الأمريكي والإدارة الأمريكية باتا يصنفانه تنظيماً إرهابياً يمثل خطراً حقيقياً على المجتمعات. الكورد في مصر وفي سياق الحديث عن الروابط المشتركة بين الشعبين، أضاء السفير صفحةً قد تغيب عن كثيرين، مؤكداً أن الكورد في مصر ليسوا مجرد جاليات عابرة، بل هم جزء أصيل من النسيج الوطني المصري، وأورد أمثلةً على ذلك، مثل الفنانة الراحلة سعاد حسني، إحدى أيقونات السينما المصرية، التي تحمل أصولاً كوردية سورية، وشاعر مصر الخالد أحمد شوقي ذو الأصل الكوردي أيضاً، فضلاً عن الشيخ سيد النقشبندي القارئ الديني الشهير. وأكد أن هذا الحضور الكوردي يتوزع على مفاصل الحياة المصرية من ثقافة وفن ودين. «سأكون سفيراً سياحياً لكوردستان» في الختام، تحوَّل الحديث إلى مساحة أكثر حميمية، حين سألناه عن انطباعاته الشخصية عن الإقليم وشعبه، وعمَّا سيحمله معه في ذاكرته حين تنتهي مهمته وتتجه أقدامه نحو القاهرة. أجاب السفير محمود فاروق بعفوية لافتة: «سأكون سفيراً سياحياً لكوردستان العراق عند عودتي إلى مصر». وكشف أنه خلال نحو سنة ونصف قضاها في أربيل، لا يمر يوم إلا ويكتشف فيه جديداً، ذاكراً بإعجاب واضح مشاريع التحول الرقمي المتسارع في الإقليم، التي من أبرزها منصة «إي بسولة» (E-Psule) لدفع الفواتير إلكترونياً، ومشروع «روناكي» للكهرباء، إضافةً إلى مشاريع السدود وإدارة المياه. وأوضح السفير أن منصة «إي بسولة» لفتت انتباه محافظ البنك المركزي العراقي الذي حضر احتفال افتتاحها، وأعلن خلال كلمته نيتَه نقل هذه التجربة الناجحة إلى بغداد، معلِّقاً: «هذا دليل على أن ما تحققه كوردستان من تجارب تنموية يعود بالنفع على العراق كله». أما على صعيد المناطق التي زارها، فقد ذكر السفير مدينة السليمانية ومنطقة بارزان وجبل كورك، واصفاً إياها بأنها «قطع مقتطعة من سويسرا»، مبدياً إعجاباً بالغاً ببارزان على وجه التحديد. وأفاد بأن مصر تمتلك خبرات وإمكانيات قادرة على مساعدة حكومة الإقليم في تطوير البنية التحتية السياحية بما يُعظِّم العائدات المتأتية من هذا القطاع الواعد. وقال مبتسماً: «لديكم مناطق جميلة جداً، خلابة بكل معنى الكلمة، فتأكدوا أنني سأكون أفضل سفير سياحي لكوردستان العراق حين أعود إلى وطني».