وثائق بريطانية حول القضية الكوردية
وثائق بريطانية حول القضية الكوردية

يعمل مركز النجف الأشرف للتأليف والتوثيق والنشر على مشروع يهدف إلى إعادة كتابة تاريخ العراق كتابةً وثائقية، تعتمد النص الأصلي أساساً، والتحليل السياقي منهجاً، والنقد الهادئ أداةً للفهم، وتأتي المسألة الكوردية في صميم المشروع بوصفها إحدى القضايا العراقية الجوهرية التي تشكّلت ملامحها الحديثة في ظل الإدارة البريطانية، والتوازنات الإقليمية، والتداخل الدولي.


أهمية الوثائق التي جرت الدراسة عليها:

تأتي وثائق الملف الموسوم بالرمز B.330، والمصنفة بوضوح على أنها «سري – ملكٌ لحكومة جلالة الملك البريطاني»، لتكشف عن جانب مهم من آلية التفكير وصنع القرار البريطاني إزاء كوردستان. فالوثيقة مذكرة سكرتير صادرة عن المؤتمر المشترك بين الدوائر حول شؤون الشرق الأوسط، أي أنها تمثل خلاصة مداولات رسمية بين عدة مؤسسات حكومية وعسكرية واستخبارية بريطانية.

وتكمن أهمية هذه الوثائق في أنها تُظهر تعدد الرؤى داخل الإدارة البريطانية وتكشف تردد السياسة البريطانية بين دعم الكيانات المحلية وإدارة التوازنات الدولية، وتبرز كيفية النظر إلى قضية الكورد بوصفها «مسألة إدارية – سياسية» أكثر من كونها قضية شعب ذي حق في تقرير مصير واضح.

الإطار المؤسسي لصنع القرار البريطاني حول كوردستان

تُشير الوثيقة بوضوح إلى أن الجهة التي صاغت هذا التقييم هي المؤتمر المشترك بين الدوائر حول شؤون الشرق الأوسط، وهو إطار تنسيقي أُنشئ داخل الحكومة البريطانية لمعالجة القضايا المعقّدة التي تتداخل فيها السياسة الخارجية مع الشؤون الإمبراطورية والعسكرية.

ولا يقتصر هذا المؤتمر على جهة واحدة، بل يضم: وزارة الخارجية، ومكتب الهند، والقيادة العامة في مصر وبلاد ما بين النهرين، والاستخبارات العسكرية (D.M.I)، وجهاز الاستخبارات البريطانية في القاهرة (I.D.C.E)، والمفوضيات السامية في بغداد والقسطنطينية.

ويكشف هذا التعدد المؤسسي أن المسألة الكوردية لم تكن تُدار من زاوية دبلوماسية خالصة، ولا عسكرية محضة، بل باعتبارها ملفاً مركّباً يمسّ الأمن العسكري، وإدارة الأراضي المحتلة، والعلاقات مع الحلفاء (خصوصاً فرنسا)، والترتيبات المستقبلية لما بعد مؤتمر السلام.

وتُظهر مذكرة السكرتير أن الوثيقة لا تكتفي بعرض الوقائع، بل تنتقل صراحة إلى: تقييم الزعامات الكوردية، واقتراح مسارات سياسية بديلة، ومناقشة حدود التدخل البريطاني. فهي، بهذا المعنى، وثيقة ما قبل القرار، وليست قراراً نهائياً. ويتجلى ذلك في:

- طرح ثلاثة مسارات للتعامل مع كوردستان.

- ربط أي خطوة بقرارات مؤتمر السلام في باريس.

- التحفظ المستمر على أي التزام عسكري مباشر.

ومن أهم ما تكشفه هذه الوثائق هو أن الإدارة البريطانية لم تتعامل مع كوردستان باعتبارها كياناً سياسياً مستقلاً في طور التشكّل، بل باعتبارها: منطقة اضطراب، وساحة تنازع نفوذ، وعقدة توازن بين الأتراك والأرمن والفرنسيين والبريطانيين. ولهذا جاء توصيف كوردستان في الوثيقة توصيفاً إدارياً - أمنياً، يقوم على: تقسيمها إلى مناطق نفوذ، وتقييم ولاءات زعاماتها، وبحث إمكان إخضاعها لإدارة أجنبية قوية، وهو ما مهّد لاحقاً لفشل أي مشروع واضح المعالم لتقرير المصير الكوردي.

تشخيص الوضع الكوردي في الوثائق البريطانية

تكشف وثائق المؤتمر المشترك بين الدوائر أن الإدارة البريطانية لم تنظر إلى كوردستان بوصفها وحدة سياسية متماسكة. فقد تكرّر في الوثائق التأكيد على أن الكرد «مشتتون جغرافياً» وأن السلاسل الجبلية تفصل بينهم على نحو يجعل توحيدهم أمراً متعذراً من دون إدارة أجنبية قوية. وهذا التوصيف ليس توصيفاً بريئاً، بل يمثل أرضية نظرية لتبرير:

- رفض قيام دولة كوردية مستقلة ذات سيادة كاملة.

- القبول بفكرة الإدارة الخارجية أو الانتداب.

- التعامل مع كوردستان بوصفها مناطق لا مركزاً واحداً.

واللافت أن الوثائق لم تطرح سؤال: هل يحق للكورد أن يكون لهم كيان سياسي؟ بل تطرح سؤالاً مختلفاً تماماً: كيف يمكن إدارة هذه المناطق بأقل تكلفة سياسية وعسكرية؟

وتعتمد الوثائق تقسيماً واضحاً للمجتمع الكوردي إلى اتجاهات متباينة، يكاد يكون هو الأساس الذي بُنيت عليه جميع السيناريوهات السياسية المقترحة. ويمكن تلخيص هذا التقسيم كما يلي:

تيار يُنظر إليه بوصفه معتدلاً وقابلاً للتفاهم، وهو التيار الذي رأت فيه الإدارة البريطانية قابلية للتعاون، خصوصاً إذا ما قُدِّمت له تطمينات تتعلق بعدم فرض الهيمنة الأرمنية، وبعدم اتباع سياسة انتقامية، وبإمكانية الحكم الذاتي تحت إشراف بريطاني.

وهناك تيار متشدد موصوف بالعداء للمسيحيين والأجانب، وقد صُوِّر هذا التيار في الوثائق بوصفه: معادياً للمصالح البريطانية، ومتأثراً بالدعاية التركية، وقابلاً للانفجار الأمني والعسكري.

ولا تخفي الوثائق أن هذا التصنيف لم يكن توصيفاً اجتماعياً محايداً، بل كان أداة سياسية لتحديد من يُدعَم ومن يُهمَّش ومن يُستبعد تماماً من أي مشروع مستقبلي.

ويعدّ الخوف من الهيمنة الأرمنية أحد أكثر العناصر تكراراً في الوثائق، وهو عنصر محوري لفهم الموقف الكوردي كما نقلته التقارير البريطانية. فقد اعتبرت الوثائق أن هذا الخوف هو الدافع الرئيسي للتحركات الكوردية، وهو السبب الأساس للتوترات والاضطرابات، وهو العامل الذي يمكن استثماره سياسياً لكسب ولاء الكورد.

وتُظهر الوثائق أن الإدارة البريطانية نظرت إلى كوردستان بوصفها منطقة غير مستقرة، وقابلة للاشتعال، وتحتاج إلى إدارة أكثر مما تحتاج إلى تمكين سياسي. وتُظهر الوثائق درجة من التعاطف النظري مع المطالب الكوردية، خصوصاً في الاعتراف بأغلبيتهم السكانية، والإقرار بمخاوفهم، والحديث عن حكم ذاتي.

لكن هذا التعاطف يبقى محصوراً في الخطاب، والتقارير، والتقييمات الداخلية. أما على مستوى القرار، فيظل مقيداً بثلاثة اعتبارات كبرى: الموقف الفرنسي، والمسألة الأرمنية، والتكلفة العسكرية.

وبذلك يتضح أن السياسة البريطانية تجاه الكورد كانت سياسة تفهم بلا التزام، وتعاطف بلا حسم.

وقد اهتمت الوثائق اهتماماً بالغاً بالزعامات الكوردية، لا بوصفها قيادات وطنية ذات مشروعات سياسية مستقلة، بل باعتبارها عناصر فاعلة يمكن توظيفها أو تحييدها ضمن سياسة إدارة الاستقرار. 

ويكشف هذا المستند من الوثائق أن القراءة البريطانية للزعامات الكوردية كانت قراءة وظيفية، تُخضع المكانة الاجتماعية والسياسية لكل زعيم لمدى فائدته العملية، لا لتمثيله الفعلي للإرادة الكوردية، بل لمدى قابليتها للانسجام مع المصالح البريطانية في المرحلة الانتقالية. ومن بين هذه القيادات:

أولاً: عبد القادر.. زعامة مترددة بين الطموح والقيود

تُعدّ شخصية عبد القادر من أكثر الشخصيات حضوراً في الوثائق، وقد حظيت بتقييم متناقض يعكس الحيرة البريطانية إزاء موقعه الحقيقي. فمن جهة، تصفه الوثائق بأنه صاحبُ ميول معادية للحكومة التركية، وصادقٌ في احتجاجاته ضد السياسات العثمانية، ومدركٌ لحساسية المسألة الأرمنية وخطورتها على الكورد.

ومن جهة أخرى، تُبدي الوثائق شكوكاً واضحة في مدى تأثيره الحقيقي داخل كوردستان، وصلته المتوترة ببعض الزعامات الميدانية، وغيابه الطويل عن الإقليم.

وتشير التقارير إلى أن عبد القادر، رغم حضوره السياسي في القسطنطينية، كان بعيداً عن الواقع الاجتماعي والعشائري الكوردي، الأمر الذي جعل الإدارة البريطانية ترى أن الاستفادة منه مشروطة بتقييد حركته الجغرافية والسياسية.

كما تكشف الوثائق أن عبد القادر كان ينظر إلى بريطانيا بوصفها الضامنَ الوحيدَ لعدم إخضاع الكورد للهيمنة الأرمنية، والقوةَ القادرةَ على منح «بداية جديدة» لكوردستان. غير أن هذا التعويل لم يُقابَل بالتزام بريطاني واضح، بل ظل ضمن دائرة التقدير المشروط.

ثانياً: آل بدرخان.. زعامة عملية قابلة للتوظيف

على خلاف التردد الذي أحاط بشخصية عبد القادر، تُظهر الوثائق ارتياحاً نسبياً تجاه آل بدرخان. فقد وُصفت هذه الأسرة بأنها ذات ميول بريطانية قوية، ومتضررة من السياسات التركية، وأكثر استعداداً للتعاون الميداني.

وتكشف الرسائل الواردة من فروع العائلة، ولا سيما من مصر، عن خطاب واضح يطالب بالتعويض عن المظالم السابقة، وبالاعتراف بدورهم التاريخي في حكم كوردستان، وبالحماية البريطانية بوصفها بديلاً عن السيطرة التركية أو الأرمنية.

ومن اللافت أن الوثائق لا تناقش مشروعية هذه الادعاءات، بل تركّز على قابليتها للتوظيف السياسي، وهو ما يفسر اقتراح إرسال أفراد من آل بدرخان للالتحاق بالميجور نويل في مهمة ميدانية داخل كوردستان.

وهكذا، تتحول الزعامة هنا من مشروع سياسي إلى أداة اتصال وتأثير ضمن سياسة بريطانية أوسع.

ثالثاً: شريف باشا.. الزعامة المنفية وحدود القبول الدولي

يظهر شريف باشا في الوثائق بوصفه حالة خاصة؛ فهو رئيس الوفد الكوردي في مؤتمر السلام بباريس وصاحب طموح واضح لتولي رئاسة دولة كوردية مستقبلية. غير أن الوثائق تكشف بوضوح أن الإدارة البريطانية لم تنظر إليه بوصفه خياراً واقعياً، بل اعتبرته متقدماً في السن، وبعيداً عن الميدان، ومنغمساً في العمل الدبلوماسي أكثر من الواقع الاجتماعي الكوردي.

لذلك رأت وزارة الخارجية أن شريف باشا غير مناسب تماماً لتولي موقع قيادي تنفيذي، واكتفت بالتعامل مع مقترحاته بوصفها آراء للاطلاع، لا مشاريع قابلة للتنفيذ.

وتكشف هذه النظرة عن فجوة واضحة بين التمثيل الكوردي في المحافل الدولية، والاعتبارات العملية التي حكمت السياسة البريطانية.

رابعاً: الشيخ محمود.. من الزعامة المحتملة إلى الاستبعاد الكامل

تتناول الوثائق الشيخ محمود الحفيد بوصفه مثالاً للزعامة التي أسقطت نفسها بنفسها من الحسابات البريطانية. فعلى الرغم من أنه برز في مرحلة ما بوصفه مطالباً محتملاً بالقيادة، فإن قيادته لاندلاع محلي غير محسوب وقمع هذا التحرك عسكرياً جعلا الإدارة البريطانية تستبعده نهائياً من أي تصور سياسي مستقبلي.

وتكشف هذه الحالة أن الخط الأحمر في التقييم البريطاني لم يكن الطموح السياسي، بل التحرك الميداني غير المنضبط، لما يحمله من تكلفة أمنية وعسكرية.

النتيجة المستخلصة من الوثائق

تكشف الوثائق أن بريطانيا لم تكن أمام خيار واحد في كوردستان، بل أمام ثلاثة مسارات رئيسية محتملة طُرحت داخل الإدارة البريطانية للتعامل مع الوضع في كوردستان:

- عدم التدخل خارج مناطق الاحتلال: ويقوم على تجنّب أي التزام سياسي أو عسكري مباشر في المناطق الكوردية الواقعة خارج السيطرة البريطانية، والاكتفاء بالمراقبة وانتظار نتائج مؤتمر السلام.

- الاعتماد على الحكومة التركية: ويقوم على ممارسة ضغط سياسي على الحكومة التركية لحفظ النظام في المناطق الكوردية، مع تقديم مشورة بريطانية غير ملزمة.

- الاستفادة من العناصر الكوردية المؤثرة: يقضي بالتعاون مع زعامات كردية مختارة، وتقديم تطمينات محدودة لها، من دون الالتزام بقيام كيان سياسي مستقل.

وتُظهر الوثائق أيضا أن مؤتمر السلام في باريس شكّل المرجعية العليا المؤجِّلة لكل قرار. فكل مسألة جوهرية أُرجئت بحجة انتظار ترسيم الحدود، وتحديد مصير أرمينيا، والتفاهم مع فرنسا. وبذلك تحولت كوردستان إلى ملف مؤجَّل، لا بسبب غموض الواقع، بل بسبب تضارب المصالح الدولية. ولم تكن بريطانيا مستعدة لحسم ملف كوردستان قبل اتضاح الموقف الفرنسي والترتيب النهائي للانتدابات.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved