الشمس تكتب قصة جديدة كوردستان نحو طاقة نظيفة
الشمس تكتب قصة جديدة كوردستان نحو طاقة نظيفة

في قرية صغيرة اسمها تربَسپي، جنوب شرقي دهوك، لم يعد الليل يعلنه ضجيج المولدات ولا يثقل هواءه دخانها الأسود. هنا، فوق أسطح المنازل وبين الحقول، تتلألأ ألواح الطاقة الشمسية كأنها مرايا تعكس قراراً جماعياً: أن يختار الناس الضوء على العتمة، والهدوء على الضوضاء، والطبيعة على الوقود.

الصور: شفان عثمان

ذاكرة المعاناة

لسنوات طويلة، كان الأهالي يعيشون على حافة القلق. الكهرباء الوطنية محدودة، والمولدات تبتلع الدخل وتُعطّل الزراعة. المواطن محمد عبد العزيز، أحد الفلاحين في القرية، يتذكر تلك الأيام قائلاً: «المولدات كانت تستنزفنا وقوداً وأعصاباً»، واصفاً قرار التحول إلى الطاقة الشمسية بأنه أفضل قرار اتخذه في حياته.

استثمر عبد العزيز تسعة آلاف دولار في نظام توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية لتشغيل مضخات المياه التي تروي أرضه الزراعية، فصار الري منتظماً، والمحاصيل أكثر وفرة وجودة. حتى الأرز، الذي كان زراعته مغامرة، أصبح اليوم محصولاً ناجحاً في القرية.

مختار قرية تربَسپي، جلال عيسى كان من أوائل من قام بتركيب الألواح الشمسية على سطح منزله. أكد أنه بتكلفة ثلاثة آلاف دولار فقط، حصل على كهرباء مستقرة، ونجاح التجربة أقنع الجميع بأن يخوضوا التجربة نفسها. وأضاف لـ«كوردستان بالعربي» أنه «خلال أشهر قليلة، تحولت منازل القرية كلها، بما فيها المدرسة والمسجد، إلى الاعتماد الكامل على الطاقة الشمسية. اختفى الضجيج والدخان، وتحوّل ما كان يُصرف على الوقود إلى تحسين مستوى المعيشة».

الآثار الصحية 

القصة لم تتوقف عند الاقتصاد والزراعة. فالأهالي يذكرون أن تسعة أشخاص من القرية أصيبوا بأورام سرطانية قبل اعتماد الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء في القرية، أربعة منهم فارقوا الحياة. ومنذ عامين، لم تُسجل أية إصابة جديدة. الطبيبة ديلمان يوسف تؤكد لـ«كوردستان بالعربي» أن «عوادم المولدات تحمل غازات سامة تؤثر على الأطفال وكبار السن. وتشيد بخطوة القرية في التحول للطاقة المتجددة التي قللت الانبعاثات الضارة».


دعم الكابينة التاسعة

وزارة الكهرباء في حكومة الإقليم التاسعة باركت نجاح تجارب اعتماد الطاقة المتجددة وقررت دعم هذا التحول عبر تسهيلات وقروض، ما رفع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية إلى أكثر من 20 ميغاواط، فيما تقدمت السليمانية بطلبات لتركيب أنظمة تصل إلى ألفي ميغاواط.

من جانبه، أوضح المهندس إبراهيم إسماعيل أن أنظمة توليد الكهرباء عبر الطاقة الشمسية لأغراض الزراعة تختلف عن الكهرباء المناسبة للمنازل، وأضاف قائلاً لـ«كوردستان بالعربي» إن «المنظومة الخاصة بالزراعة تعتمد على مضخات غاطسة وأنظمة تحكم مباشرة من دون بطاريات، ما يقلل التكلفة ويزيد الكفاءة»؛ مؤكداً أن التحول إلى الطاقة الشمسية للحصول على الكهرباء في محافظة دهوك يزداد يوماً بعد آخر، وأن النظام يسترد تكلفته خلال عامين فقط، مقارنة بمصاريف الوقود والصيانة.

تربَسپي اليوم ليست مجرد قرية صغيرة إنها قصة عن مجتمع قرر أن يواجه العتمة وعلى خطى روّاد مشاريع الطاقة النظيفة.



X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved