حول الخط العربي والفنون الأخرى بين الكورد
حول الخط العربي والفنون الأخرى بين الكورد

في أمسية ثقافية نظمها فرع أربيل لاتحاد الكتاب الكورد للخطاط الكوردي الكبير السيد بژار كريم أربيلي، في 7 شباط / فبراير الحالي، بعنوان «الكورد وفن الخط»، تطرق الخطاط بژار، من ضمن ما تناوله في محاضرته، إلى أن الفنون التشكيلية الأخرى (كالرسم والنحت وغيرها) لم تتطور بنفس القدر الذي تطور فيه فن الخط لدى الكورد، إلا أنه لم يُقدم أي تحليل أو تفسير لهذه الظاهرة، وربما ضيق وقت المحاضرة منعه من عرض الأسباب، وإعطاء تفاصيل أخرى.


وقد عقّبت أنا بدوري بعد المحاضرة في عجالة على هذه الظاهرة وأبديت رأيي فيه. لكنني رأيت أنه من المفيد إعطاء مساحة أكبر لهذا الموضوع، وذلك بكتابة مقال تُذكر فيه تفاصيلُ أكثر وشرحٌ أوفى للظاهرة.

فالظاهرة التي تحدث عنها الفنان بژار، لا تقتصر على الكورد فقط، بل تنطبق مع جميع المسلمين مقارنة بأتباع الديانات الأخرى. وربما يعود السبب في هذا الأمر إلى الدافع الديني الذي التزم به المسلمون من حيث النظر إلى كثير من الأمور بنظر «التقديس» تارة و«التدنيس» تارة أخرى.

فـ«المقدس»، وهو القرآن الكريم الذي لا شك أنه نُزِّل بلسان عربي مبين على الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، فيُكتب بالخط العربي. لذا فقد حاول المسلمون أن يبذلوا قصارى جهدهم في كتابته وإظهاره للعلن بخط عربي جميل ومتناسق يجذب الأنظار والقلوب.

أما «المدنّس»، فيأتي من تحريم علماء السلف الأولين لفن الرسم والنحت احترازاً للوقوع في المحرمات. وذلك نتيجة للتفسير الحرفي والجامد لحديث «لعن الله المصورين» وأحاديث أخرى.. بينما فهمها علماء معاصرون وبعض المتقدمين في سياقه التاريخي، وقالوا إنما اللعن في هذا الحديث كان موجَّهاً لمن يصنع الصور بقصد التعظيم والعبادة، وإن العلة ليست مجرد الرسم والنحت، بل اتخاذ الصور وسيلة للشرك. وذلك أن التحريم جاء في زمن كان الناس حديثي عهد بعبادة الأصنام، فكان المنع سدّاً للذريعة. وبما أن «الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً»، كما يقول الفقهاء والأصوليون، فإنه لا يوجد مبرر أو ضرورة لمنع وتحريم هذه الفنون.

وموقف العلماء المعاصرين هؤلاء، الذين يرون بجواز الرسم والتصوير والنحت، قريب من موقف معتنقي الديانة اليهودية الذين لا يحرّمون هذه الفنون إلا إذا كانت بقصد العبادة والتقديس. أما في المسيحية فالأمر مباح عندهم على الإطلاق، ويرون أنها مفيدة لتجسيد التعاليم الدينية وحياة المسيح والقديسين. إذ تجد الكنائس والأديرة مزدانة بتماثيل وصور للسيد المسيح عليه السلام وأمه مريم العذراء عليها السلام وبعض القديسين لديهم، بينما يفضل المسلمون أن يزّينوا مساجدهم وجوامعهم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية بخط جميل ومزخرف.

وهنا أودّ أن أذكر ظاهرة أخرى لاحظها كثيرون وتصب في هذا المجال. وهي أن علماء الدين الكورد غالباً ما كانوا يجوّدون في فن الخط العربي والزخرفة حتى أن بعضهم كتبوا كتبهم بخط جميل وأبدعوا فيه. بل إن بعض الشعراء من بين العلماء ذهبوا أكثر من ذلك بأن وظفوا هذا الفن في خدمة إبداعهم الفني الشعري. فترى الشاعر الكلاسيكي الكوردي الكبير «نالي»، مثلاً، يقول:

«لەبت میم و قەدت ئەلف و زولف چیم

دەزانی بەم سیانە تالیبی چیم»

(شفتاكِ ميمٌ وقدُّكِ ألفٌ وسالفُ شعركِ چيم

أتعلمين ما أطلب بهذه الأحرف الثلاثة)

ومن الواضح وضوح الشمس للعيان أن نالي لا يروم بهذا البيت أن ينظّمَ حزورة شعرية، ليسعى المتلقي وراء فك شفراتها، لأنه يأتي ويكشف هذه الحزورة في البيت التالي مباشرة، ويقول:

«وەفای عەهدە لە من ڕۆح و لە تۆ ماچ

چییە چارەی ئەمانەت غەیری تەسلیم»

(فإنه لمن الوفاء بالعهد: مني روحي ومنكِ «ماچ» / قُبلةً

وإلا فما مصير الأمانة غير تسليمها)

فيبدو أن شاعرنا الكبير من فرط حبه وإعجابه بأحرف الخط العربي الجميلة، يأتي ليوظفها ويستعيرها في تشبيه حبيبته بها. وهذه الظاهرة الأدبية البلاغية (أقصد بها تشبيه الحبيبة بأحرف من اللغة العربية) لم أصادف وجودها في الآداب الأخرى أو على الأقل في الأدب العربي، حسب علمي المتواضع.



X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved