«جروانة» التخطيط في مستقبل المياه قبل 3000 عام
«جروانة» التخطيط في مستقبل المياه قبل 3000 عام

في قلب كوردستان وبمحافظة دهوك، يرقد شاهد صامت على واحدة من الثورات الهندسية في التاريخ القديم. إنه سد جروانة، الذي لا يعد مجرد بقايا جدران مبنية من الحجارة، بل هو أحد أقدم السدود المعروفة في العالم بُني بتخطيط هندسي متقن. شُيّد في عهد الملك الآشوري القوي سنحاريب (حوالي 705 - 681 ق.م)، لم يكن هذا الصرح مجرد حاجز لمنع حركة المياه، بل كان القلب النابض لمشروع ري ضخم وطموح يهدف إلى ري بساتين نينوى وتزويد قصورها بالمياه، ليجسد رؤية حضارية سبقت عصرها بآلاف السنين.

الصور: محمد دركَليي

حكاية حجر وزمن

في فترة لم تكن فيها الحفارات الضخمة أو المحركات، شرع الملك سنحاريب في تنفيذ مشروع جروانة. وتكشف لنا التفاصيل الدقيقة عن ضخامة هذا الإنجاز الذي تم إكماله في عام وثلاثة أشهر فقط، كما سُجلت كتابات مسمارية على حجارة السد نفسه، كوثيقة تاريخية تسجل تفاصيل التشييد. وتؤكد هذه النقوش مدة البناء القصيرة، وتكشف عن تفاصيل بشريّة مذهلة، إذ تشير إلى أن القوى العاملة التي بنت السد كانت من سكان أورشليم (القدس)، مما يفتح نافذة على حركة السكان والمهارات في الإمبراطورية الآشورية.

بناء السد تطلب استخراج وتشكيل مليوني قطعة حجرية، تزن كل واحدة منها من ربع إلى نصف طن. وأبعاد السد تروي قصة المُنجز؛ فطوله يبلغ 280  متراً (نحو طول ثلاثة ملاعب كرة قدم متصلة)، وعرضه 22  متراً، وارتفاعه تسعة أمتار، وهو ارتفاع لافت بالنسبة لتقنيات ذلك العصر. تم نقل هذه الحجارة الضخمة من الجبال المقابلة عبر النهر باستخدام القوارب إلى ميناء صغير لا تزال آثاره مرئية، ومن هناك نُقلت بالعربات إلى موقع البناء.

 

شريان الحياة الآشوري

سد جروانة كان العقدة الرئيسية في شبكة مائية متطورة. وقد صُمم لنقل المياه من منطقة «خنس»، (المعروفة تاريخياً باسم خانوسا، والتي بناها سنحاريب أيضاً كمنتجع صيفي)، إلى عاصمته البعيدة نوعاً ما، نينوى. تم جلب المياه عبر قناة أو ممر مائي يبلغ طوله 40 كيلومتراً، ليس فقط لتلبية احتياجات القصر الملكي، بل أيضاً لري الأراضي الزراعية ودعم الزراعة في المنطقة. هذا المشروع يضع جروانة في سياق سياسة مائية استراتيجية اتبعها سنحاريب لتعزيز قوة واكتفاء إمبراطوريته.

 

جهود للترميم بتعاون إيطالي

في إطار الجهود الرامية إلى حماية سد جروانه بوصفه إرثاً حضارياً يعود إلى آلاف السنين، أجرت «كوردستان بالعربي» حواراً مع الدكتور بيكَس بريفكاني، المدير العام لآثار دهوك، للوقوف على الخطوات المتخذة لصون الموقع وتأهيله.

وقال بريفكاني إن «المديرية أنجزت، خلال العامين الماضيين، أعمال تنظيف شاملة للموقع، وأن مرحلة التأهيل ستنطلق مع بداية شهر فبراير 2026»، لافتاً إلى أن الموقع شهد في فترات سابقة أعمال تنقيب علمية نفذتها جامعة أوديني الإيطالية.

وأوضح بريفكاني أن خطة التأهيل «تتضمن حزمة من الإجراءات الفنية والتنظيمية، أبرزها ترميم النقوش الأثرية، وإنشاء مسار خاص يسهّل حركة الزوار، إلى جانب نصب لوحات تعريفية توفر شرحاً وافياً عن الموقع وأهميته التاريخية، وتسييج الموقع من الجهات الأربع، وتهيئة نقطة مشاهدة للزوار من على إحدى المرتفعات القريبة لرؤية موقع جروانه بوضوح».

وأكد بريفكاني أن جميع هذه الجهود، سواء المنجزة أو المقررة مستقبلاً، تصب في هدف استراتيجي يتمثل في إدراج موقع جروانه ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، مبيناً لـ«كوردستان بالعربي» أن مديرية آثار دهوك بدأت منذ عام 2018 بالتحضير لإدراج عدد من المواقع الأثرية في محافظة دهوك ضمن قائمة اليونيسكو، كان موقع جروانة أحدها، إلا أن الحكومة العراقية تحجب موافقتها حتى الآن رغم عرض الملف عليها مرتين خلال عامي 2018 و2023. وذلك بحجة ضرورة دمج هذه المواقع مع مواقع محافظة نينوى ضمن ملف واحد.

وقد جرى بالفعل دمج ملف جروانه بملفات أربعة مواقع أثرية ضمن مشروع الري الآشوري، وهي جروانة، خنس، حلمتا، وفايدة، بوصفها مشروعاً متكاملاً يمتد من دهوك إلى نينوى بطول يقارب 340 كيلومتراً، بهدف تقديمه إلى اليونيسكو كملف واحد.

المُفرح في قصة جروانه، أن رئيس بعثة اليونيسكو في العراق، الذي تسلّم مهامه مؤخراً، زار محافظة دهوك، وبعد اطلاعه على ملف جروانه، وطلب دعم المنظمة الدولية لحماية الموقع، أبدى استعداد المنظمة الكامل للتعاون في هذا المجال.

 

إرث الماضي وتحديات الحاضر

ظل سد جروانة منسياً لقرون تحت طبقات من الغطاء النباتي والإهمال. اكتشف لأول مرة منقوصاً عام 1845، تلته عملية أوسع من قبل بعثة جامعة شيكاغو عام 1934، التي كشفت بالتفصيل عن روعة هذا الإنجاز الهندسي وربطته بمشروع الري الأشمل للملك سنحاريب. اليوم، لا يزال أكثر أجزاء السد قائماً شاهداً على دقة بنائه الهندسي.

لقد فهم الآشوريون قبل آلاف الأعوام أن التحكم في الماء هو أساس كل شيء، وأن إعادة إحياء هذا الموقع اليوم، ليست مجرد حفظ لموقع أثري، بل هي إعادة اتصال بفلسفة عميقة في التعامل مع البيئة والتحديات. بينما تستعد أحجار جروانة، بعد صمودها ثلاثة آلاف عام، لاستقبال زوار من جميع أنحاء العالم، فإنها تروي لكل من يراها قصة حضارة لم تُبنَ بالإمبراطوريات وحدها، بل بالماء والحجر والإرادة.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved