في السينما، قلة فقط يمتلكون القدرة على تحويل الأفكار إلى مشاهد بصرية حية. ومانو خليل واحد من هؤلاء؛ استطاع من خلال أعماله خلق فضاء للابتكار، ورواية قصص الإنسان وهويته، متجاوزاً التعقيدات الشكلية. تقودنا مجلة «كوردستان بالعربي» عبر رحلة في أفلامه وفكره ونظرته إلى العالم من خلال عدسته، موضحة كيف تروي السينما حكايات الحقيقة والحرية والذاكرة الكوردية.
بداياته والتكوين
مانو خليل، المخرج الكوردي المعروف، من مواليد 1964 يحمل الجنسية السويسرية، ولد لعائلة كوردية تمتد جذورها بين شمال كوردستان وغربها. درس التاريخ والحقوق بجامعة دمشق، قبل الانتقال عام 1986 إلى تشيكوسلوفاكيا لدراسة السينما، حيث نال شهادة الماجستير في الإخراج السينمائي. ومنذ ذلك الحين، اشتغل بالإخراج والإنتاج السينمائي، متسلحاً بشغفه بقضيته وبروح فنية تتخطى مجرد صناعة الأفلام.

أفلام صنعت المسار
بدأ خليل مسيرته بأفلام أكاديمية في تشيكوسلوفاكيا، واصفاً إياها بأنها «صقلت تجربته الإبداعية»، وكانت تحمل دائماً روح القضية الكوردية. ويؤكد التزامه الأخلاقي بالسينما كـ«طريق فني لنيل حقوق الشعب الكوردي وحريته».
يقول خليل إنه يحمل «روحاً ضعيفة تتحمل أحياناً ما يفوق طاقتها»، معبراً عن حزنه العميق إزاء مآسي شعبه، بدءاً من مجزرة حلبجة الكيميائية التي نفذها نظام صدام حسين، مروراً بعمليات الأنفال، والتغييرات الديموغرافية في روجآڤا (غرب) كوردستان، وصولاً إلى انتفاضة روجآڤا عام 2004 وما حدث فيها من انتهاكات.
ويشدد المخرج الكوردي على أهمية القيم الأخلاقية في أعماله، لأن كل فيلم، كما يرى، «يحمل قضية أخلاقية نقية، أقف وراء كل عمل أنجزته وأفتخر به، سواء حقق نجاحاً عالمياً أم لم ينل الاهتمام الكافي، لا يفقد قيمته بالنسبة لي كمبدع. ما يهمني هو أن كل فيلم استنزف وقتي وجهدي ومشاعري ومواردي، ولم أصنع أي عمل لمجرد التسلية أو الترفيه».
أفلامه... وجائزة مهرجان أوغسبورغ
من بين الأعمال التي تحمل بصمته الخاصة، ذكر خليل أفلاماً مثل «هناك حيث ينام الله» و«جنان عدن» و«طعم العسل» و«حافظ ومارا» و«جيران»، مؤكداً أن تأثير هذه الأفلام في قلبه ليس بسبب نجاحها التجاري، بل لأنها تجسد خصوصية الحلم الذي ما زال يرافقه حتى اليوم.
وفي سياق الحديث، شارك خليل تجربة فوزه بجائزته الأولى، وكيف منحته إحساساً بالتقدير والمسؤولية نحو السينما وقضايا شعبه. ويرى أن «النجاح العالمي للفيلم ليس فقط إنجازاً بل مسؤولية، لأن مانحي الجائزة يتوقعون أعمالاً أكثر تأثيراً في المستقبل». وأوضح أن جائزته الأولى كانت عن فيلمه الوثائقي «هناك حيث ينام الله» الذي صوره سراً في روجآڤا كوردستان عام 1992، باللغة الكوردية وبجهود شخصية، وفاز بالجائزة الأولى في مهرجان أوغسبورغ الألماني، مع منحة من شركة «مرسيدس بنز».
وبيَّنَ خليل أن هذا الفيلم كشف «انتهاكات النظام الأسدي البائد بحق الكورد، ويستكشف تجارب الناس وعلاقتهم بالأرض والهوية في منطقة كانت تحكمها حدود سياسية وثقافية مشددة».
ويعتبر خليل هذا الفيلم نقطة تحول في حياته، مؤمناً بأن السينما «سلاح من نوع آخر» وهي لغة عالمية ووسيلة إنسانية تمكنك من كسب المناصرين وطرح قضيتك بأسلوب حضاري، مشيراً إلى «أنه أوصل الصوت الكوردي للعالم من خلال أفلامه». وقال إنه، وبعد 33 عاماً، استخدم أجزاء من هذا الفيلم في عمله «جيران».

القضية الكوردية بعدسة عالمية
يرفض المخرج الكوردي وصف قصصه بـ«المهمشة»، مؤكداً أنه يروي «قصصاً من الحياة الكوردية نفسها، عميقة ومتنوعة، تنبض بالروح وتصرخ من أجل الحرية وتعكس كرامة وعنفوان الإنسان الكوردي»، مضيفاً أن في أعماله لا توجد هوامش؛ «فكل قصة أرويها أضع فيها أفكاري وذكرياتي وما أحمله من إحساس بالانتماء للإنسان؛ لأغاني حسن زيرَك، وكاويس آغا، وعيشي شان، ومحمد عارف جزيري، وأسليكا قادر وغيرهم».
السينما الكوردية.. الواقع والتحديات
وعن السينما الكوردية، قال خليل: «عندما ذهبت عام 1986 إلى تشيكوسلوفاكيا لدراسة السينما، لم يكن هناك أي فيلم كوردي باللغة الكوردية، ولا أي مهرجان يعرض أفلاماً كوردية. أعتقد أن فيلم «هناك حيث ينام الله» كان من الأفلام القليلة المنتجة بالكوردية، بسبب الحظر وصعوبات التمويل. وبعد عام 2000 وعام 2003 والاستقرار الذي حصل في إقليم كوردستان العراق، صُوِّرت مجموعة من الأفلام باللغة الكوردية في كوردستان، ويتم عرضها في مهرجانات تقام حول العالم».
وتحدث خليل عن تحديات السينما الكوردية في مناطق من كوردستان، التي لا يزال إنتاج الأفلام الكوردية فيها صعباً جداً (عدا إقليم كوردستان) بسبب غياب الدعم المادي، وعدم وجود مؤسسات سينمائية داعمة للفن الكوردي. وقال إن كل أعماله السينمائية كانت بجهوده الشخصية، ومن خلال شركته الإنتاجية. مشيراً إلى أن المشكلة الكبرى اليوم هي توزيع الأفلام كوردياً، وعرض أفلامه للشعب الكوردي.
ويتساءل المخرج: «لماذا نقيم مهرجانات إذا لم نكن ندعم توزيع الفيلم لشعب كوردستان؟ هل يجب إقامة مهرجانات فيها أيضاً؟ ما هو العائق ومن يقف أمامه؟».
السينما ليست ترفاً
وأوضح خليل أن «السينما لشعب مثل الشعب الكوردي ليست ترفاً، بل أداة وجودية لتوثيق الهوية واللغة والتاريخ والثقافة، ونقل معاناة الشعب وأحلامه للعالم بطريقة سلمية وإنسانية... إنها حق في التعبير وضرورة للحفاظ على وجودنا وهويتنا».
ويروى خليل بهذا الشأن تجربة شخصية، قائلاً: «قبل 20 عاماً، وفي عام 2006، أثناء عرض أحد أفلامي في سويسرا، جاءني رجل سويسري وشكرني، وقال: أستاذ مانو خليل: بيتي في بيرن بجانب السفارة التركية. منذ سنوات يتظاهر بعض الناس أمام السفارة، من دون أن أفهم شيئاً أو سبباً لذلك، فقط أقوم بغلق نوافذ منزلي. اليوم، وبعد مشاهدتي لفيلمك، فهمت من هم هؤلاء الناس الذين كانوا يتظاهرون ولماذا يتظاهرون».
ملصق لفيلم «جيران» الذي شارك به مانو خليل في مهرجان آمد (ديار بكر) السينمائي
مشاركته في مهرجان آمد
وعن مشاركته في مهرجان آمد (ديار بكر) السينمائي، أعرب خليل عن سعادته لافتتاح المهرجان من جديد بعد توقيفه لسنوات، وقال: «سأشارك بفيلم (جيران) لخصوصيته وللقضايا التي يطرحها والتي تهم الشعب الكوردي، وليس فقط لحصده العديد من الجوائز وعرضه في أكثر من 30 دولة»، ويشير إلى أن المهرجان «فرصة للحوار ولقاء الناس، خاصة في شمال كوردستان حيث هناك عطش للسينما، لاحظته أثناء عرض فيلمي الأخير في مدن مثل نصيبين، ووان، وآمد، وماردين وباطمان».
وقال خليل إن أحدث أعماله هو فيلم «لحظات» الذي يتضمن ثلاث قصص متداخلة مع بعضها البعض بشكل درامي، وقد انتهى من تصويره. كما كشف عن مشروعين ضخمين يأمل في إيجاد التمويل اللازم لتحقيقهما، حيث تعتبر المرحلة الأصعب.
رسالته
ختم خليل حديثه للمجلة برسالة للشباب والكورد ومحبي السينما، قائلاً: «من خلال تجربتي لأكثر من 30 عاماً، أقول للجميع، كما يقول المثل الصيني: أطول طريق يبدأ بخطوة أولى. كل خطوة وتجربة وصعوبة تواجهها تشكل شخصيتك الحالية، الطريق هو ما يمنح الحكمة والصبر والإصرار، ويجعل الوصول ذا قيمة حقيقية، ليس المهم فقط الوصول، بل كيف عشت الطريق وما تعلمته من كل لحظة فيه».