ابن الرزاز الجزري رائد الميكانيك والهندسة
ابن الرزاز الجزري رائد الميكانيك والهندسة

في عصر تشهد فيه التكنولوجيا الحديثة تطوراً مذهلاً في مجالات كثيرة لعل من أهمها الروبوتات والبرمجة المسبقة، قد لا يعرف الكثيرون أن جذور هذه التقنيات تمتد إلى قرون مضت ضمن سلسلة ممتدة عبر العصور كانت كل حلقة منها تُمهد للحلقة التالية. وبعض أهم هذه الحلقات انطلقت من بلادنا كوردستان، وربما كان رائدها أحد أجدادنا الكورد.

ويكاد المتخصصون في تاريخ التقنية يجمعون على أن ابن الرزاز الجزري، الذي عاش في كوردستان متنقلاً بين جزيرة بوطان ودياربكر (آمد) في القرن الثاني عشر الميلادي في ظل الحكم الأيوبي والأرتقي إحدى أهم هذه الحلقات، بل هو السبّاق في هذا المسلسل إلى تحويل النظري إلى عملي غير مكتفٍ بالفكرة، بل يتجاوزها للتجربة ثم التطبيق الكامل، وبلمسة فنية راقية، داخل إطار فلسفة إنسانية عميقة ليضع الأسس العلمية والتقنية للعديد من الاختراعات التي نعتبرها اليوم من معجزات التكنولوجيا الحديثة.

إذا كانت الروبوتات وبرمجتها المسبقة تُذهلنا، فالجزري هو من همس لها بالحياة في أول الحكاية، وإذا كنا نعجب بدقة صناعة الساعات، فالجزري هو من حرك الثانية الأولى من عمرها، وإذا كنا نتنعم بالرفاهية والسرعة في قيادة سياراتنا، فالجزري هو أول من شغل مفتاح محركاتها، وإذا كنا نشرب الماء السائغ من جوف الأرض، فالجزري هو الذي سهل لنا استخراجها بأبسط طريقة...


لا يُعرف الكثير عن حياته الشخصية للأسف، إلا أن المعلومات التي وصلتنا تخبرنا أن اسمه عبد العزيز بن إسماعيل، وكنيته أبو بكر وأبو العز، ونسبته الجزري. والجزري، كما لا يخفى، نسبة لموطنه ونشأته (الجزيرة)، ولقبه بديع الزمان، ولا يعرف تاريخ محدد لولادته، أما وفاته فالأغلب أنها كانت سنة 602 هـ / 1205م. ورغم المعلومات الشحيحة عن حياته، كان هو بنفسه يهتم بتوثيق اختراعاته بالرسومات التوضيحية التفصيلية، فغدا توثيقه مرجعاً علمياً مهماً لقرون عديدة من خلال كتابه الذي ذاع صيته «الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل» ووصلتنا ببضع نسخ مخطوطة، وترجم منذ القديم إلى لغات عديدة، بل وطبع ولا يزال يطبع منذ طبعة إيطاليا الأولى بالقرن السادس عشر. ويحتوي الكتاب على مخططات تفصيلية لأكثر من 100 آلة، قام على تجربة أكثر من 50 آلة منها، ويُعد من أوائل الكتب التي جمعت بين الرسم الهندسي والتطبيق العملي.

لا تذكر المصادر التي ترجمت له أي نسبة له إلى قبيلة عربية كما هو عادة الترجمة لأعلام العرب بتثبيت النسب، وإنما نُسب إلى والده فمدينته، مما يرجح أن أصله من الكورد حيث ولد وعاش وتنقل واشتغل في مناطق كوردستانية ذات غالبية كوردية.

لم يكن الجزري مجرد صانع آلات، بل كان مهندس الرؤية المستقبلية، الذي أدرك أن العلم لا يكتمل إلا إذا اقترن بالتطبيق. فقد أسس بمخيلته الواسعة وأدواته الدقيقة مفاهيم لا تزال تُدرّس في كليات الهندسة حتى اليوم. إن إرثه العلمي لا يقتصر على اختراعاته، بل يمتد إلى المنهجية التي اتبعها في التفكير والتصميم، والتي أصبحت حجر الأساس في بناء الحضارة التقنية الحديثة، كل هذه التجارب التي أثبت الجزري نجاحها، ووضع أسسها لتتطور خلال الأجيال فيما بعد حدثت في أكبر مدينة كوردية وهي العاصمة غير المسماة لكوردستان ألا وهي مدينة ديار بكر، حيث كان الجزري كبير المهندسين في بلاط حكامها من الأرتقيين.

أبرز إسهاماته في تأسيس أصول الاختراعات الحديثة

الآلات الذاتية الحركة والتشغيل (المحركات): صمم الجزري آلات تعمل من دون تدخل بشري مباشر أو بمساعدة الدواب كما كان في السابق، وهي أساس المحركات التي تعمل بالطاقة فيما بعد، ومنها انطلقت أفكار المحركات بدءاً من المحركات البخارية إلى المحركات التي نعرفها اليوم، فيعد بذلك أول مخترع للمحرك.

الهندسة الهيدروليكية: حيث استخدم الماء كمصدر طاقة لتشغيل مضخات رفع المياه ليسجل اسمه كمخترع المضخات الهيدروليكية.

عمود الكامات أو (الحدبات): الذي يُعد من أهم مكونات محركات الاحتراق الداخلي في محركات السيارات وبقية وسائط النقل اليوم، حيث يحوّل الحركة الدورانية إلى حركة خطية. ويُدار هذا العمود عن طريق سلسلة معدنية - عمل الجزري على تطويرها - أو حزام توقيت متصل بعمود المرفق، لضمان التزامن الدقيق بين حركة المكابس والصمامات. وقد وضع الجزري أسساً ميكانيكية مشابهة من خلال آلياته المعقدة، مما يُعد تمهيداً مبكراً لفهم أنظمة التوقيت في المحركات الحديثة.

المسننات الدائرية وأساليب توصيلها: تلك التقنية التي لا يستغني عنها أي مصنع اليوم حيث طور الكثير من أشكالها وطرق تركيبها المتماثلة أو المتعاكسة. وفي مجال ربط القطع الميكانيكية ببعضها البعض من خلال آلية تركيب القطع ببعضها البعض، ما يعرف اليوم بمبدأ (الذكر والأنثى).

الروبوتات: بصناعة أجهزة ذاتية التشغيل ضمن برمجة مسبقة فيما يعرف بالتحكم الآلي، ومنها روبوتات كانت يُتَحَكَّم بها بالماء، وروبوتات ترفيهية من خلال فرقة موسيقية مبرمجة مسبقاً للتسلية كانت من أعاجيب الزمان حينها، وروبوتات خدمية منها اختراع يستخدمها معظمنا اليوم وهو مبدأ الشفاط المائي المستخدم في الحمامات حول العالم.

الساعات: ولأهمية الوقت وحسابه كان للساعات النصيب الأكبر من اختراعاته سواءً في مجال تطوير الآليات المتوفرة حينها لحساب الوقت، أو من خلال ابتكار أول ساعة ميكانيكية اعتماداً على اختراعاته المتعلقة بالمسننات الدقيقة لربط العقارب بها للتحرك، كما قدم لعالم الساعات ميزان الساعة الذي يحافظ على ثبات سرعة دوران المسننات، حتى تحافظ على إحكام الثواني والدقائق.

أما في مجال تطوير الأساليب الموجودة لحساب الوقت حينها، فقد طور الكثير من الساعات المائية والشمعية، ومنها ساعة شمعية خاصة كانت تعد من أدق الساعات في حساب الوقت المستغرق في عمل ما، وربما كان الجزري أول من فكر فيها، وهي ميزة يجدها كل واحد منا اليوم في هاتفه الجوال، كما صنع ساعات روبوتية فنية أخرى منها ساعة الكاتب، وهو رجل آلي يجلس على كرسي، ويكتب الوقت على لوح، وساعة الطبال الذي يدق على طبلته حسب التوقيت الساعي، وساعة القلعة وهي ساعة ضخمة متعددة الوظائف، منها عرض الوقت بإصدار أصوات وتحريك شخصيات.

لكن أشهر اختراعاته وأكثرها إثارةً للإعجاب كانت ساعةً جمعت ذوقه الفني وإحساسه الإنساني الحضاري إضافة إلى أفكاره الميكانيكية بدمج البرمجة الروبوتية المسبقة فيه ألا وهي ساعة الفيل. وتُعتبر ساعة الفيل تحفة من تحف الزمان، ومن أبرع ما اخترع الإنسان، ونسخة مبكرة لمفهوم التلاقي والتعدد الحضاري. وقد صنعت نسخ عديدة من هذه الساعة الأسطورية على مر التاريخ. واليوم توجد نسخة من هذه الساعة في المتحف المتخصص بتاريخ تطور آلات وقياس الوقت في سويسرا، ونسخة فائقة الدقة بجامعة الملك سعود في السعودية، ونسخة أخرى معروضة بمجمع ابن بطوطة للتسوق في دبي.

كانت الساعة على شكل فيل، تعمل عن طريق نظام مائي مخفي. مزين بطريقة فنية رفيعة المستوى، مقسمة إلى ستة أجزاء، كل جزء يحمل عناصر ثقافة معنية وهي: الحضارات الإسلامية والفرعونية والصينية والهندية والأفريقية والإغريقية، وكأنه يلمح لتلاقح الحضارات، وأن كل حضارة تأخذ مما ساد قبلها، وتعطي من سيأتي بعدها.

وله إسهامات علمية أخرى كحسابات التقويم وإسهاماته في علم الفلك تحتاج إلى أكثر من مقال لبيانه.

لم يكن الجزري يخترع فحسب، بل يرسم المستقبل بمسطرة الماء، وينظم حركتها بالمسننات ليصوغ الآلات من نبض الفكرة مع صياغة فلسفية حضارية إنسانية ضمن لوحات فنية جميلة راقية. فلم تكن آلاته باردة، بل نابضة بالروح تشع البهجة وتزرع الإنسانية، ولم يكن مجرد مهندس أو صانع آلات، بل كان عبقرياً سبق عصره، وضع اللبنات الأولى لما نعرفه اليوم من مفاهيم في الهندسة الميكانيكية، والروبوتات، وأنظمة الهيدروليك. لقد كانت اختراعاته بمثابة الجسر الذي عبرت عليه البشرية نحو الثورة الصناعية التي نشهدها حالياً.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved