في زمن تتصاعد فيه الحاجة إلى قراءة التاريخ بعيون موضوعية، بعيداً عن التجاذبات السياسية والانحيازات الأيديولوجية، يبرز اسم منطقة جبلية في كوردستان العراق كإحدى أهم الصفحات في التاريخ العراقي الحديث والمعاصر. بارزان.. هذا الاسم الذي ارتبط بالنضال والتسامح والدفاع عن المظلومين، يحمل في طياته قصصاً من التضحية والصمود امتدت لأكثر من قرن.
ثورة بارزان كانت تطالب بحقوق الشعب الكوردستاني وكانت ملجأ للمظلومين، ورفعت شعار الإنسانية قبل السلاح، ومشيخة عُرفت بـ«مشيخة المظلومين والفقراء».. كل هذا دفع الدكتور مهند علي فرحان الجبوري، المختص بتاريخ العراق الحديث والمعاصر، لأن يكرّس سنوات من البحث الأكاديمي لتوثيق هذا التاريخ.
وفي حوار خاص مع مجلة «كوردستان بالعربي»، يأخذنا د. الجبوري في رحلة عبر الزمن، من عام 1869 حتى 1969، متتبعاً مسيرة الشيخ أحمد البرزاني ومنطقة بارزان، مستعرضاً كيف أسست هذه المنطقة قواعد التسامح والأخوة، وكيف أصبحت ملاذاً آمناً لكل ثائر ومناضل.
رحلة أكاديمية في أروقة تاريخ بارزان
بدأت رحلة د. الجبوري الأكاديمية عام 2015 حين حصل على شهادة الماجستير من جامعة ديالى بدراسة عن «شيخ أحمد بارزاني وأثره الاجتماعي والسياسي 1869 - 1969». لم تكن هذه الدراسة مجرد بحث أكاديمي، بل كانت استكشافاً عميقاً لحياة زعيم استثنائي أسس قاعدة أساسية في بارزان قائمة على التسامح والأخوة والسلام بين جميع المجتمعات.
يصف الباحث الشيخ أحمد بارزاني بأنه كان «بمثابة الأخ والأب الروحي لبارزان بعد الشيخ عبد السلام بارزاني». وعبر صفحات بحثه، استعرض أهم مراحل حياة هذا القائد من ولادته عام 1896 إلى وفاته عام 1969، في رحلة «كانت مليئة بالأحداث التاريخية المهمة، منها تصديه للسيطرة العثمانية وكذلك لقوات الاحتلال البريطاني، وأيضاً الدفاع عن جمهورية مهاباد».
الشيخ أحمد، كما يكشف الجبوري، لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان مشرّعاً ومفكراً. فقد «سنّ دستوراً خاصاً لبارزان مكملاً للدستور الذي سنّه الشيخ عبد السلام بارزاني، شمل حماية البيئة وكثيراً من القوانين التي أُسست في بارزان». كان رجلاً «له مواقف كثيرة ووطنية على مستوى العراق وعلى مستوى القضية الكوردية، التي دافع حتى آخر لحظة في حياته».
ولم تتوقف رحلة الباحث عند الماجستير، بل أكملها بأطروحة دكتوراه من جامعة تكريت عام 2021 بعنوان «عشائر بارزان ودورها في العراق 1903 - 1958»، موسعاً نطاق بحثه ليشمل الدور الأوسع لعشائر بارزان في نسيج التاريخ العراقي الحديث.
صفحات من نضال لا ينتهي
يأخذنا د. الجبوري في جولة تاريخية عبر أهم الحركات البارزانية التي شكّلت منعطفات حاسمة في تاريخ المنطقة، واللحظة الأكثر دراماتيكية، حركة الشيخ أحمد بارزاني من 1931 إلى 1932 التي «تصدى بها للاحتلال البريطاني وأيضاً قوات الجيش العراقي في العهد الملكي».
كانت تداعيات تلك الحركة عميقة ومؤلمة. فبعد انهيارها، لجأ الشيخ أحمد بارزاني إلى تركيا، وبقيت التداعيات مستمرة حتى عام 1935.
وفي عام 1931، قاد مصطفى بارزاني قوات ثوار بارزان (ثورة بارزان الأولى) في مواجهة الجيش العراقي بقيادة العقيد برقي شوقي ويس، وخاض سلسلة من المعارك شملت جبهات برادوست وميرگسور وبيرسياف، إضافة إلى معارك كروابني وكوركي وهفنكا ووادي فازي، في مواجهة القوات العراقية والعشائر المتحالفة معها.
وفي 27 تموز 1943، قاد الملا مصطفى بارزاني ثورة بارزان الثانية ضد قوات الجيش والشرطة العراقية، إذ خاض معارك في خيرزوك وكورتو وجبل پيران ومزنى وجبهة نهلى. وسجل انتصاراً بارزاً في تشرين الثاني من العام نفسه عندما تمكن من دحر فرقة للجيش العراقي قرب ميرگسور.
النضال لم يتوقف، إذ انتقل البارزانيون إلى فصل جديد من المقاومة في جمهورية مهاباد في إيران، حيث وثّق الباحث «دور الشيخ أحمد بارزاني والبارزانيين قاطبة» و«كيف كان دورهم النضالي في هذه الجمهورية والدفاع عنها، والتحديات التي واجهوها».
هجرة المنفى
ربما كانت أكثر الصفحات مأساوية في هذا التاريخ هي هجرة البارزانيين الكبرى. يروي الجبوري تفاصيل هذه المحنة التي بدأت عام 1945 نتيجة انهيار ثورة بارزان الثانية بقيادة الملا مصطفى بارزاني، حيث اضطر البارزانيون للجوء إلى إيران مع عوائلهم.
ثم يصف الباحث المشهد بكلمات مفعمة بالألم: «مرّ البارزانيون بظروف صعبة جداً نتيجة قساوة الموقف، وكذلك الجوع والعوز الذي كانت تمر به العوائل». لكن رغم كل هذه المعاناة، حافظ البارزانيون على تماسكهم ووحدتهم، وهو ما يعكس عمق الروابط الاجتماعية والقيمية التي أسسها قادتهم.
مُنح مصطفى بارزاني رتبة الجنرال في أوائل عام 1946 تقديراً لنضاله وخبرته في الشؤون العسكرية. في 31 آذار 1946، التحق بجيش جمهورية كوردستان الديمقراطية، برتبة جنرال، وتولى في العام ذاته منصب قائد جبهة سقز. شكّل البارزانيون قوة مهمة في الدفاع عن جمهورية «مهاباد» الكوردية، وقاد بارزاني عدة معارك ضد الجيش الإيراني.
حين سألناه عن سبب اختياره لبارزان تحديداً كموضوع لبحثه، كانت إجابة د. الجبوري واضحة ومباشرة: «بارزان، شئنا أم أبينا، صفحة مشرقة من صفحات تاريخ العراق الحديث والمعاصر». وأضاف: «كل باحث يطمح إلى أن يجد موضوعاً فيه موقف. وجدت في البارزانيين مواقف وطنية كثيرة دفعتني لدراسة هذا الموضوع».
التسامح والإنسانية
يصف الجبوري النهج الذي اتبعه البارزانيون بوضوح قائلًا: «التسامح والسلام دائماً»، ويضيف في تفصيل لافت: «أما لجوئهم لحمل السلاح فهو أمر فُرِض عليهم، وما هو إلا دفاع عن أنفسهم».
هذا النهج لم يكن مجرد شعار يُرفع، بل تحوّل إلى واقع ملموس جعل من بارزان ملاذاً آمناً، إذ يصفها الباحث بأنها كانت «منطقة محمية من أهلها وملاذاً آمناً لكل مظلوم».
سياسة الحقوق لا العداء
وعن السمات السياسية لبارزان، يوضح د. الجبوري أنها «قائمة على حفظ حقوق الشعب الكوردي ومن يلجأ إليهم». ويرى أن «تأثيرهم كبير جداً على الشعب الكوردي، لأنهم وجدوا في القادة البارزانيين الإخلاص والحب والتفاني والدفاع عن قضيتهم بكل إخلاص».
في ختام حديثه، يؤكد د. الجبوري على أهمية توثيق هذا التاريخ للأجيال القادمة، قائلاً بثقة الباحث الذي يدرك قيمة ما يقوم به: «الأهمية كبيرة للتعرف على تاريخ هذه المنطقة وتاريخ الأشخاص والقادة والرموز البارزانيين، والتعرف على عاداتهم وتقاليدهم، وأيضاً قربهم من المجتمع العراقي».