كاميران بدرخان الأمير المنفي الذي بكى حبيبين
كاميران بدرخان الأمير المنفي الذي بكى حبيبين

في شقة متواضعة بحي «سان جيرمان» الباريسي، وقف السياسي الكوردي المخضرم دارا عطار، عام 1975 أمام مشهد لا يمحوه الزمن من ذاكرته: رجل في العقد الثامن، منهار تماماً، تختلج كتفاه من البكاء الصامت. بعد لحظات من السكون المثخن بالوجع، يختزل الرجل مأساة عمر بكلمات قليلة تُثقِلُ كاهل التاريخ: «يا دارا، لقد فقدت حبيبين؛ زوجتي وكوردستان، وكلاهما رحل عني في أسبوع واحد».

اللقاء الأخير

ذلك الرجل لم يكن أيّ شخص. كان الدكتور كاميران بدرخان، أحد أعمدة الفكر القومي الكوردي، وأميراً من سلالة الأمراء البدرخانيين الذين كرسوا حياتهم للقضية الكوردية، والذي جمعته علاقة وطيدة بالقائد ملا مصطفى بارزاني. زيارة دارا عطار للأمير كاميران جاءت بعد أيام من نكبة «اتفاقية الجزائر» المشؤومة بين صدام حسين وشاه إيران في آذار 1975، التي أطاحت بأحلام الشعب الكوردي في العراق، وتزامنت مع رحيل زوجته البولندية ناتاليا.

ناتاليا، زوجة الدكتور كاميران، هي التي اعتادت أن تفتح الباب لطارقيه، لكن ذلك اليوم، يقول دارا عطار، «طرقته طويلاً حتى فتحه كاميران؛ كان شاحباً.. يرى أن جرح فقدان شريكة الحياة لا يندمل، وكذلك جرح خيانة الأمة. عاش سنواته الأخيرة في زهد وأسى عميق، كأن جرحين نُكئا في روحه».

مسيرة أمير منفي.. من إسطنبول إلى باريس

وُلد كاميران بدرخان في إسطنبول عام 1895، لعائلة كانت تخضع لإقامة جبرية منذ عام 1879 بسبب نضالها ضد الاستبداد العثماني ومطالبتها باستقلال كوردستان. درس الحقوق، غير أن صعود أتاتورك دفعه، مع إخوته، إلى المنفى الأوروبي، حيث نال الدكتوراه من جامعة لايبزغ الألمانية. ولم يُسمح لعائلة بدرخان بدخول تركيا إلا عام 1967.

لم يكن بدرخان مجرد مناضل صالونات، بل دخل سراً إلى تركيا للمشاركة في انتفاضة آگري عام 1930. وبعد فشلها، استقر في بيروت حيث مارس المحاماة (1930 - 1943) وأسّس مدرسة كوردية. وكان فاعلاً رئيسياً في جمعية «خويبوون» السرّية، وأصدر صحفاً ناطقة بالكوردية والفرنسية مثل «روجا نو» و«ستير»، وقدّم نشرات إخبارية باللغة الكوردية عبر الإذاعة اللبنانية.

جسر معرفي بين الكورد والعالم

في باريس، تحوّل بدرخان إلى جسر معرفي بين الكورد والعالم. فقد درّس في جامعة السوربون العريقة، وأصدر قاموساً كوردياً - فرنسياً لا يزال مرجعاً للمهتمين باللغتين. وكان يتقن الكوردية والتركية والعربية والألمانية والفرنسية، وكتب مقالات وأشعاراً ودراسات أدبية وسياسية، حاملاً همّ تحديث اللغة الكوردية وإيصال صوت شعبه إلى العالم.

وفي لحظة أمل نادرة، زار جنوب كوردستان (إقليم كوردستان العراق) عام 1970 برفقة زوجته، لتهنئة بارزاني والشعب الكوردي بإعلان الحكم الذاتي. استُقبل هناك استقبال الأمراء والأبطال، وكان بارزاني يرى في عائلة بدرخان رمزاً لتاريخ كوردستان النضالي.

جسد للعلم.. وروح للوطن

توقف قلب كاميران بدرخان عن الخفقان في الرابع من كانون الأول 1978، وأوصى بأن يُتبرع بجسده للمعهد الطبي للبحوث العلمية في فرنسا. رحل الأمير المنفي كما عاش: بين وطن حلم وحب ذبل في المنفى، لكن إرثه النضالي والفكري يبقى شاهداً على جيل حمل القضية في قلبه حيثما حلّ وارتحل. في بكائه ذلك اليوم في باريس، لم يكن يبكي على حبيبين فحسب، بل كان ينعى قرناً من النضال والمنفى والأمل المؤجل.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved