عند دخولك للمكان يمتد فوق رأسك جزء من المبنى مسافة خمسة وعشرين متراً دون أي دعامة تسنده من الأسفل. الغريزة البشرية تدفعك أولاً للبحث عن عمود أو ركيزة تطمئنك، لكن لا وجود لشيء من ذلك. والكتلة الخرسانية معلّقة، وبعد لحظة وعند إلقاء نظرة لمحيط المكان يتحوّل القلق إلى إعجاب.
هذا الجزء البارز المعلّق، الذي يُعدّ من أجرأ العناصر الإنشائية التي جُرّبت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هو السمة المميزة لـ«المبنى الملحق رقم 2» التابع لمجلس الوزراء، والذي يُشيَّد حالياً داخل مجمّع البرلمان في أربيل. وهو ليس عنصراً زخرفياً.

بداية المشروع كانت بسيطة وغير مثيرة، والمهندس المعماري جودي بارزاني لا يخفي ذلك. فديوان مجلس الوزراء كان قد استنفد مساحته المتاحة؛ إذ باتت الدوائر تعمل في غرف لم تعد تتّسع لها، وتجاوز عدد الملفات والموظفين والمهام طاقة المباني القائمة، بينما لم يكن المجمّع يوفّر أرضاً كافية للبناء.
قررت الحكومة أن إبقاء عمل الديوان مجتمعاً في مكان واحد، وقريباً من المؤسسات التي يتبع لها، أهمّ من مجرد الراحة العملية. لذلك بقي الموقع على حاله: ضيقاً، محاطاً بالعوائق، وغير مريح. ومعظم المصممين كانوا سيكتفون بالسقف الذي تفرضه قطعة أرض كهذه، وينتجون مبنى أصغر حجماً.
يقول بارزاني لموقع «كوردستان بالعربي»: «الفكرة هي التوسّع ضمن القيود. فالمساحة المحدودة لا يجب أن تحدّ من الطموح».
قد تبدو هذه العبارة مجرد شعار، لكن فهم كلفتها الإنشائية يغيّر الانطباع. فلزيادة المساحة الطابقية، كان على المبنى أن يمتد أفقياً إلى ما وراء حدود الأرض المتاحة، ومن هنا جاء الجزء المعلّق، ومن هنا جاء الميل في التصميم. فالشكل ليس زخرفة أسلوبية أُضيفت للمبنى، بل هو نتاج طبيعي لبرنامج الاستخدام، وكان على الهندسة الإنشائية أن تواكب هذا الطموح.
بعد اكتمال المشروع، سيضمّ «المبنى الملحق رقم 2» عدداً من دوائر الديوان، من بينها دائرتا التخطيط والإدارة والشؤون القانونية، إلى جانب مدرائها وموظفيها. وهذه ليست جهات شرفية، بل الآلية التي تُتابَع من خلالها قرارات الحكومة وتُصاغ وتُراجَع وتُدفَع قدماً، وتصل نتائج عملها في النهاية إلى كل مواطن يتعامل مع حكومة إقليم كوردستان.
وهذا أمر يستحق الذكر بوضوح، لأن العمارة الحكومية في المنطقة غالباً ما تُقيَّم من خلال قاعات استقبالها الفخمة. أما هذا المبنى فقد صُمم حول يوم العمل الفعلي للأشخاص الذين سيقضون ثماني ساعات يومياً فيه.
يدخل الموظفون من الطابق الأرضي إلى ردهة مفتوحة ومضيئة، ومن هناك يُجذب النظر مباشرة إلى الأعلى بفعل درج لافت للانتباه يمتد عبر الردهة. وهو أكثر العناصر تعمّداً في التصميم الداخلي؛ فالدرج، خلافاً للعادة التي تخفي مسارات الحركة في الزوايا، هو أول ما يراه الزائر، والمحور الذي يُنظَّم حوله باقي الفضاء.
في الطوابق العليا، خُصصت المساحات للمكاتب وقاعات الاجتماعات ومناطق العمل المشتركة. وتحلّ الفواصل الزجاجية محل الجدران الصلبة في معظم الأماكن، بحيث ينتقل الضوء عبر المخطط وتبقى الدوائر مرئية لبعضها البعض. كما تُبقي الواجهة الزجاجية المشهد الخارجي في مرمى البصر باستمرار. ويستوعب الطابقان تحت الأرض نحو 250 سيارة، ما يُبعد مواقف السيارات عن سطح الموقع ويترك الأرض متاحة للحدائق والممرات المرصوفة والمقاعد.
لا شيء من هذا يُعدّ استثنائياً وفق المعايير الدولية، لكنه غير معتاد بالنسبة لمبنى حكومي في أربيل، حيث ظل النمط السائد طويلاً هو الممر المغلق والباب الموصد.
أما مواد التصميم فقليلة ومتسقة: مساحات واسعة من الزجاج، والفولاذ المقاوم للصدأ، ولمسات من النحاس تمنح الواجهة دفئاً لا يوفره الفولاذ وحده.
اختيار الزجاج لم يكن عفوياً. ففي مبنى يضمّ الأجهزة الإدارية للسلطة التنفيذية، تبدو «الشفافية» استعارة سهلة يلجأ إليها المصمم دون تردد. لكن الأثر العملي أهم من الرمزية: فبيئة عمل مليئة بضوء النهار، ومتصلة بصرياً بالأشجار والممرات الخارجية، هي ببساطة مكان أفضل لقضاء مسيرة مهنية.

صمم المشروع وأشرف عليه جودي بارزاني، ونفّذته شركة محلية. وعند سؤاله عن المعنى الذي يحمله التصميم، ينتقل الجواب سريعاً من الحديث عن الفولاذ إلى الحديث عن الظروف التي أنتجت المشروع. فما يتعمّد التصميم عدم فعله هو اللجوء إلى المفردات المألوفة للهوية الكوردية؛ فلا أقواس مستوحاة من القلعة، ولا زخارف مأخوذة من السجاد أو الحجر. ويوضح بارزاني بصراحة أن هذا الغياب مقصود: فالمبنى لا يُراد له أن يمثّل ماضي إقليم كوردستان، بل أن يعبّر عن موقعه الحالي، وعن الوجهة التي يسير نحوها.
بدأ العمل في المشروع عام 2023، ومن المتوقع اكتماله في منتصف عام 2027 تقريباً، أي بتأخير عن الجدول الزمني الأصلي. والاختبار الحقيقي لـ«المبنى الملحق رقم 2» لن يكون في الصور الفوتوغرافية، بل في ما إذا كان المبنى العام القادم في أربيل سيُقاس بمعاييره، وفيما إذا كانت الشفافية وضوء النهار والجرأة الإنشائية ستصبح توقعات معتادة بدلاً من كونها استثناءات في الطريقة التي تُقيم بها الحكومة مقارّها.
