عندما تعيد الجغرافيا إنتاج السياسة
عندما تعيد الجغرافيا إنتاج السياسة
September 19, 2026

عبر آلاف السنين، سلكت قوى مختلفة الطريق نفسه من البادية السورية نحو قلب بلاد الرافدين، من مملكة «شمشي ـ أدد» إلى تنظيم داعش الإرهابي. يبدو أن الجغرافيا ما تزال ترسم مسارات الصراع في المنطقة.

قبل أربعة آلاف عام، كان جيش يقوده ملك آشوري يتقدم من البادية السورية نحو مدن بلاد الرافدين، وبعد آلاف السنين، تكرر المشهد بصورة لافتة حيث خرج مقاتلو تنظيم «داعش» من المسار الجغرافي نفسه متجهين نحو الموصل وتكريت. قد يبدو الأمر مجرد صدفة تاريخية، لكن قراءة في تاريخ المنطقة تشير إلى أن الجغرافيا كثيراً ما تعيد إنتاج السياسة.

في دراسة أكاديمية حديثة، يرى عالم الآثار في جامعة السليمانية بكوردستان، البروفيسور كوزاد محمد أحمد، أن تاريخ وادي الرافدين يكشف نمطاً متكرراً للتحركات السياسية والعسكرية يبدأ من البادية السورية ثم يتجه شرقاً نحو العراق. وفي لقاء مع «كوردستان بالعربي»، أوضح الباحث كوزاد قائلاً:

«عندما ننظر إلى تاريخ المنطقة نلاحظ مساراً جغرافياً يتكرر عبر العصور، يبدأ من غرب بلاد الرافدين على امتداد الفرات ثم يتجه شرقاً نحو دجلة ومناطق ديالى وشمال العراق». ويضيف أن هذا المسار لم يكن مجرد حركة سكانية عادية، بل كان في كثير من الأحيان مقدمة لتحولات سياسية كبرى.

البروفيسور كوزاد محمد أحمد أمام لوحة تاريخية عن حروب صلاح الدين الأيوبي والصليبيين

عنق الزجاجة الرافديني

تاريخياً، كانت القوى القادمة من الغرب تصطدم بمنطقة يصفها الباحثون بـ«عنق الزجاجة الجغرافي»، وهي المنطقة التي يقترب فيها نهرا دجلة والفرات من بعضهما بعضاً قرب بغداد. هناك كانت تقوم دول قوية وتحصينات تحول دون تقدم القوى الصاعدة جنوباً. «وعندما كانت القوى الصاعدة تعجز عن اختراق الجنوب بسبب قوة الدول الرافيدنية هناك، كانت تتجه شرق دجلة نحو ديالى وسهول أربيل لتعيد تنظيم قواها قبل استئناف التوسع». حسب ما يقول الباحث كوزاد.

وهذا النمط، يضيف الباحث، ظهر في تحركات القبائل الأمورية التي ينتمي إليها الملك شمشي ـ أدد الأول مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، وهو أحد الحكام الذين أعادوا رسم خارطة شمال بلاد الرافدين.

من الصحراء إلى السلطة

في العصر القديم، تمكن شمشي ـ أدد من بناء مملكته بعد أن جعل من مدينة شوبات ـ إنليل (تعرف بتل ليلان قرب مدينة القامشلي) في الجزيرة السورية مركزاً لسلطته. وبعد آلاف السنين، ظهر مسار مشابه حين أعلن زعيم تنظيم «داعش» أبوبكر البغدادي مدينة الرقة عاصمة لما سماه «دولة الخلافة». ويرى الباحث ان اختيار الجزيرة السورية لم يكن مصادفة، بل يرتبط بطبيعة المنطقة الجغرافية.

ويتابع الباحث في حديثه مع «كوردستان بالعربي» أن «الجزيرة السورية كانت تاريخياً منطقة مناسبة لظهور قوى صاعدة، لأنها تستند إلى صحراء واسعة من الخلف وتوفر في الوقت نفسه مصدراً بشرياً للمقاتلين».

ومن هذه المنطقة توسعت القوّتان شرقاً نحو نينوى ثم جنوباً باتجاه تكريت، قبل أن تصطدما مرة أخرى بالحاجز الجغرافي نفسه الذي واجهته قوى كثيرة عبر التاريخ.


مسارات متكررة 

ليس شمشي ـ أدد وحده من سلك هذا المسار. فالتاريخ العسكري للمنطقة يُظهر أن الجزيرة السورية والبادية كانتا في أوقات كثيرة نقطة انطلاق لقوى صاعدة.

ففي القرن الثالث عشر مثلاً، عبرت جيوش المغول بقيادة هولاكو الممرات الشمالية لبلاد الرافدين في طريق وصولها إلى بغداد عام 1258، وفي مراحل لاحقة استخدمت الدولة العثمانية أيضاً هذا المحور نفسه لتعزيز نفوذها في العراق. ورغم اختلاف السياقات التاريخية بين هذه التجارب، فإنها تكشف حقيقة واحدة، وهي أن الجغرافيا في هذه المنطقة كثيراً ما تفرض مسارات شبه ثابتة للحركة العسكرية والسياسية.

نقطة التحول

بحسب قراءة الباحث كوزاد، فإن نقطة التحول في تجربَتَي شمشي ـ أدد، وتنظيم داعش، جاءت عندما حاولت القوّتان التمدد شرق دجلة. حيث تعرضت قوات شمشي - أدد لضربات حاسمة في مناطق شرقي دجلة شكلت عاملاً مساهماً في تفكيك دولته. أما في العصر الحديث، فقد واجه «داعش» مقاومة عنيفة على جبهات كوردستان وفي مدينة كوباني، ما شكل بداية النهاية للتنظيم وانهياره.

«التاريخ لا يُعيد نفسه حرفياً، لكن بعض الأنماط الجغرافية للصراع تتكرر عندما تتشابه الظروف السياسية»، اختتم الباحث كوزاد أحمد، حديثه.



X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved