الرسم، فن يعبر عن الأفكار والمشاعر، من خلال خلق صورةٍ جماليةٍ ثنائية الأبعاد بلغة بصرية، بأشكال وطرق مختلفة، وخطوط وألوان، وضوء وحركة على سطح مستوٍ، ويتمّ دمج كلّ هذه العناصر بلغة خاصة بالفنان تعبر خلالها ما في داخله، وذلك لإنتاج ظواهر حقيقية. كما أنه يرتبط ارتباطاً مباشراً بالتصوير الفوتوغرافي ومثلما يبدأ المصورون من خلال كاميراتهم في إيقاف الوقت لإبقاء تلك الوقفة حية مدى الحياة، ينطبق الشيء نفسه على الرسم أيضاً، لذلك قامت معظم العائلات منذ القدم برسم صور لعائلاتهم أو أحبائهم على يد الفنانين المعروفين وزينت جدران منازلهم بتلك اللوحات، بالإضافة إلى رسم المناظر الطبيعية ومواضيع متنوعة أخرى.

تعرفت علی الفنان كمال رحیم قبل حوالي عامین، ولأنني فنانة أيضاً، استمتعت بأجواء الحديث معه، وتعلمت منه أموراً قد أستفاد منها لرسم لوحاتي الفنية، فظننت نفسي أتكلم مع فنان حاصل على أعلى الشهادات في الفن لكثرة معلوماته واطلاعه وخبرته في الفن وجمال لوحاته. ولكنه للأسف لم يتمكن من الالتحاق بكلية الفنون الجميلة. فقررت توثيق مسيرة حیاته لـ«كوردستان بالعربي» لتعريف جمیع القراء بهذا الفنان وكيفية وصوله إلى قمة النجاح.
في مدينة السليمانية عاصمة الثقافة، تمكن الفنان الكوردي كمال رحيم من رسم أكثر من 550 لوحة فنیة مختلفة لشخصيات كوردية، وخاصة لوحات للقائد الخالد الملا مصطفى بارزاني، فقد رسم أكثر من عشر لوحات له بأسلوب بورتريه وبانوراما. وقال رحيم الذي شارك بهذه اللوحات في ثلاثة معارض، لـ«كوردستان بالعربي» إن «التاريخ الكوردي سيضيع بدون الملا مصطفى بارزاني، فقد جاهد في سبيل جعل كوردستان مزدهرة». كما رسم الفنان الشخصيات والشعراء الكورد القدامی، إضافة الى الأحداث والمآسي التي واجهها الكورد، ليصبح مصدر فخر لبلده كوردستان.
من هو كمال رحيم؟
كمال رحیم أحمد الملقب بكمال هَژار، من عائلة كوردية من منطقة شارباژیر، ولد وترعرع في مدینة السليمانية، اختار لقب هژار، الذي يعني الفقير في اللغة الكوردية، لأنه نشأ في أسرة فقيرة، وواجه العديد من الصعوبات منذ بدایة حیاته وجعل من الفقر نقطة تحول لحياته ليصبح فناناً بارزاً ويصنع مكاناً لنفسه في مجتمعه.
منذ الصغر كان لدى رحيم حب للألوان، ومُنذ ذلك الوقت قام بتطوير فنه تدريجياً بدعم من معلميه في المدرسة. وبعد إكمال تعليمه الثانوي في السليمانية، لم يتمكن من الالتحاق بكلية الفنون بسبب وضعه الاقتصادي المتردي. لكن شغفه وحبه للفن وجهده الدائم وتحديه في مواجهة العقبات، كل هذا جعله اليوم فناناً مشهوراً يصل عدد لوحاته إلى أكثر من 550 لوحة، من خلالها یمكن مشاهدة تقنياته الفريدة التي تأخذ المتلقي في رحلة عبر الزمن من دون تأشيرة أو عوائق عبر عالمه الفني الكبير الخاص المليء بالألوان والصور والإبداع.
أقام رحيم حتى الآن 15 معرضاً خاصاً به، وشارك في أكثر من 32 معرضاً مشتركاً في كل من تركيا وفنلندا وإيران وإيطاليا. ويهتم الفنان، الى جانب عمله الفني، بالقراءة والأدب أیضاً، ويعتقد أن الفن والأدب توأمان مكملان لبعضهما بعضاً. كما أنه ينظم دورات تعليم في مجال الفن، وقام بتعليم المئات من الشباب الكوردي مبادئ ومعايير وأدوات الفن مجاناً. وفي نفس الوقت خدم الفنان تطور الفن من حيث الخط والزخرفة الإسلامية، ويعتبر الآن واحداً من أفضل الخطاطين في إقليم كوردستان والعراق. لم تنته مواهب رحيم هنا، بل إن له يداً في الكتابة، وقام بتأليف كتابين فنيين «مشاهير الكرد» و«الشعراء والكتاب الكرد»، إلا أنه كرّس حياته ووقته بالكامل لفنه ونادراً ما يغادر مرسمه الذي أنشأه داخل منزله.

بصمة فنية بأسلوب واقعي
يقول رحيم «لقد خدمت الفن لمدة 51 عاماً في مجال الرسم والخط والزخرفة الإسلامية، ولدي حتى الآن أكثر من 550 لوحة فنیة ذات أسلوب واقعي، لأنه الأسلوب الذي يجذب انتباه الناس ويجعلهم يقتربون من لوحاتي ويفهمونها بشكل أفضل». وأضاف لـ«كوردستان بالعربي»: «رسمت أكثر من 75 لوحة بانورامية ولديّ الرغبة في تقديم المزيد من هذه اللوحات».
كان رحيم سابقاً عضواً في جمعیة الخطاطین العراقيين، ولدیه عشرات اللوحات في الخط والزخرفة، شارك بها في مهرجان عالمي عام 1986 بعنوان «ابن البواب» في تركیا كما شارك في العدید من المعارض الخطیة في العراق وحصل على العديد من الشهادات التقديرية، تاركاً بصمته الفنية للأجيال القادمة.

أحب اللوحات إلى قلب رحيم
لكل فنان لوحة قريبة من قلبه وروحه. ويخبرنا رحيم بشغف أنه يُحب جميع لوحاته الفنية البانورامية مُؤكداً «أن جميع اللوحات تتحدث عن التاريخ الكوردي والشجاعة الكوردية والشخصيات الكوردية، لكن القريبة من روحه هي بانوراما لقاضي محمد مع الملا مصطفى بارزاني المعروف أيضاً بالجنرال الكوردي الملا مصطفى بارزاني». وقد استغرق رسم البانوراما مدة شهرين من العمل، وكان ذلك عام 2010، يقول كمال رحيم، ومساحتها متر ونصف المتر في أربعة أمتار. وتظهر البانوراما قاضي محمد وهو يقدم علم كوردستان والقرآن الكريم للأب الكوردي الملا مصطفى بارزاني.
وراء كل رجل عظيم امرأة
أثناء الحوار مع الفنان كمال رحيم يكرر دائماً اسم امه وزوجته، ويتحدث عنهما بحماس ممزوج بالحنان، ويقول «للمرأة مكانة كبيرة لدي، وفي بداية مسيرتي الفنية كانت والدتي سنداً لي طوال الوقت، ثم لعبت زوجتي دوراً رئيسياً في تقدمي فنياً»، مشيراً إلى أن المقولة المشهورة «وراء كل رجل عظيم امرأة»، تنطبق عليه.
وقد قام رحيم أیضاً بإعداد كراستين تتكونان من صور سماهما «قصة الخيول» و«بانوراما المقاومة الكوردية»، وتظهر هذه الأعمال أن الفنان يحترم دائماً دور المرأة في الحیاة والمجتمع.