شايان: جدارية النساء الكورديات… هوية تُعاد صياغتها في باريس
شايان: جدارية النساء الكورديات… هوية تُعاد صياغتها في باريس
October 21, 2026

حين دخلتُ استوديو الرسم للفنانة شايان في أوبنباخ شرق باريس، كان الضوء يتسلل من النوافذ العالية ويستقر فوق اللوحات؛ الأحمر والوردي والأصفر تتجاور مع الأزرق والأخضر في تكوينات كثيفة، فيما تتناثر الفُرش والأصباغ على الطاولة الصغيرة. وقفت شايان منحنية تضيف بفرشاتها ضربات هادئة، كأنها توصل بين زمنين. رفعت رأسها مبتسمة، وقالت: «نحن لسنا شخصية واحدة في لوحة، نحن جدارية كاملة».

كانت تلك العبارة مدخلاً لفهم مشروعها الجديد «سرديات النساء الكورديات».

من الوجوه إلى التشابكات

بدأت شايان المشروع في مارس / آذار 2025، مع انطلاق إقامتها الفنية في باريس، الممتدة لعام قابل للتمديد. ومنذ وصولها، لم تتعامل مع اللوحة كموضوع منفصل، بل كمساحة لتقاطع الحكايات.

تجلس مع نساء كورديات من سوريا وإيران وتركيا والعراق في المهجر والوطن، تستمع إلى قصصهن عن الهوية والمنفى والأمومة والفقدان. وما تسمعه لا يتحول إلى سيرة مرسومة، بل إلى طبقات لونية وإيماءات جسدية داخل لوحات.

قالت في لقاء مع «كوردستان بالعربي»: «أدركت أنني لن أرسم حكايات فردية، بل طريقة تشابكها».

وفي إحدى لوحاتها، يتداخل الجسد مع نباتات وزهور مشبعة بالألوان. سألتها عن هذا المزج، فردّت: «المرأة الكوردية جزء من الأرض، لذلك لا أفصل بين الجسد والزهور».

الاستوديو نفسه يبدو امتداداً لمشروع شايان: لوحات وأدوات وألوان تتجاور من دون ترتيب صارم، والمشهد يشبه صخب الحكايات التي ترويها نساء كوردستان والمهجر والتي يروق للفنانة الاستماع إليها.

تقول شايان تعليقاً على ذلك: «الاستوديو ليس مكانًا للعمل فقط، بل مساحة تتراكم فيها القصص.. عندما أرسم، لا أكون خارج اللوحة». وتضيف: «أنجزت حتى الآن ثماني لوحات، أراها تمهيداً لجدارية أكبر، تجمع الأصوات المختلفة من دون أن تذيب اختلافها».

الصورة: سفين حميد

من أربيل الى باريس: بحث عن لغة

بدأت رحلتها في أربيل، حيث شجعها والدها على الرسم.

ثم انتقلت لدراسة إدارة الأعمال في الولايات المتحدة، لكن تجربة نيويورك عام 2009، خلال تدريبها في مقر الأمم المتحدة، أعادتها إلى الفن عبر دروس مسائية في الرسم واعتبرتها نقطة تحول في مسيرتها.

في عام 2013 انتقلت إلى فلورنسا لدراسة الرسم التقليدي، ثم واصلت تدريبها في كوردستان، وتعاونت لاحقاً، وعن بُعد، مع الفنان الإيطالي ماتيو توديسكيني بين 2020 و2021.

حضور متصاعد

أقامت شايان أربع معارض فردية في أربيل في كل من: المعهد الفرنسي (2019)، ومعهد غوته الألماني، ومدرسة فريمينغ (2022)، وآخرها عام 2024، وكان معرضاً بدعم من منظمة البصيرة العالمية في العراق، وركّزت في لوحاتها على موضوع الطفولة. كما أنجزت الفنانة سبع جداريات موزعة في فضاءات عامة في أربيل، وباتت أعمالها تُقتنى ضمن مجموعات خاصة في أوروبا والولايات المتحدة والعراق. 

وفي عام 2022، دخلت أول تجربة فنية دولية لها في مؤسسة «بلباو» للفنون في إسبانيا. ثم جاءت تجربتها الحالية في مارس / آذار عام 2025، إقامة فنية في أوبنباخ بالعاصمة الفرنسية تمتد لعام.

الصورة: سفين حميد

لوحة واحدة تحمل الجميع

تنظر شايان إلى لوحاتها الثماني كخطوة أولى في مشروع لم يكتمل بعد. والرؤية واضحة: «جدارية بشرية تتجاوز الفرد إلى الجماعة».

الجملة التي اختتمت الفنانة شايان اللقاء معها «للوحة بالنسبة لي وطن يمكن حمله»، ربما فيها ما يختصر المسافة بين أربيل وباريس: ليست جغرافياً فحسب، بل محاولة دائمة لإعادة صياغة صورة المرأة الكوردية، كما تريد أن تُرى لا كما اعتاد الآخرون روايتها.

زائرة أمام لوحات المعرض الذي أقيم للفنانة شايان في العاصمة الفرنسية
الصورة: Yello Cube Gallery


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved