طرق كوردستان.. رحلة من الخطر إلى الأمان
رياض الحمداني - January 05, 2026

في إطار أولويات التشكيلة الحكومية التاسعة وحرصها على سلامة المواطنين، نفذت حكومة إقليم كوردستان حزمة من المشاريع الاستراتيجية للحد من حوادث المرور وتقليل أعداد الضحايا، شملت إعادة تأهيل وبناء الطرق الرئيسية، وتركيب كاميرات مراقبة السرعة، وإنشاء جسور مخصصة لعبور المشاة بأمان، إضافة إلى ترسيم خرائط الشوارع بمعايير حديثة، وإصلاح منظومة إصدار رخص القيادة، وقد أثمرت هذه الجهود عن انخفاض ملموس في معدلات الحوادث المرورية وأعداد الوفيات عبر محافظات الإقليم.

الصور: محمد شواني

كان سوران محمود يقطع الطريق ذاته يومياً بين سوران ورواندز وأربيل، لأكثر من ربع قرن، ناقلاً البريد الحكومي عبر طرقٍ كانت تُمثّل تحدياً حقيقياً لكل سائق. يتذكّر سوران تلك الأيام بوضوح: «كانت الطرق مليئة بالتخسفات، ضيقة، بعضها بمسار واحد فقط. لم يمرّ يوم من دون أن أشاهد حادثاً، بسيطاً أو قوياً، على طريقي».

لكن اليوم، وبينما يقود سوران سيارته على الطرق المُعبّدة الحديثة، يروي قصةً مختلفة تماماً: «الطرق الآن تُضاهي طرق الدول الأوروبية. قد لا أشاهد سوى حادثٍ واحد كل شهرين أو أقل».

وفي مفارقةٍ لافتة، يُعلّق سوران: كان من المُفترض أن تزيد الحوادث مع هذه الطرق المميزة المُغرية التي تدفع السائق لزيادة سرعته، لكن الحكومة كانت ذكية. فوضعت كاميرات من نظام مراقبة «من نقطة إلى نقطة» التي غيّرت كل شيء، وقلّلت الحوادث بشكل كبير.

معركة ضد «الإرهاب الأبيض»

ما يرويه سوران ليس مجرد تجربة شخصية، بل جزءاً من تحوّل شامل في قطاع النقل بإقليم كوردستان. في تشرين الثاني 2025، دعا هيمن ميراني، المدير العام لأمانة وزارة الداخلية في الإقليم، المواطنين إلى اعتبار مشاريع النقل ملكاً مشتركاً يستحق الدعم، محذراً من أن «السيارات والدراجات النارية، التي اختُرعت لخدمة البشرية، أصبحت بسبب سوء الاستخدام تُشكّل تهديداً كبيراً لحياة المواطنين».

الإحصاءات الرسمية تكشف حجم المأساة التي كانت تُخلّفها الطرق. ففي عام 2022 وحده، وقع 3706 حوادث مرورية، أودت بحياة 445 شخصاً، وأصابت 7250 آخرين. هذه الأرقام الصادمة دفعت حكومة إقليم كوردستان لإعلان حربٍ شاملة على ما يُسمّى بـ«الإرهاب الأبيض».


حلول عملية على الأرض

لم تكتفِ الحكومة بالشعارات، بل انتقلت إلى خطوات عملية ملموسة. كان تركيب الكاميرات عالية الدقة التي تعمل بنظام «من نقطة إلى نقطة» خطوةً محورية، حيث أثبتت فعاليتها في خفض السرعة وضمان التزام السائقين.

وفي خطوةٍ موازية، شهد نظام رُخَص القيادة إصلاحاً جذرياً. ألغت الحكومة النظام القديم الذي كان يقتصر على نوعين («خاص» و«عام»)، وأدخلت نظاماً حديثاً يشمل 13 نوعاً من الرخص، تتدرّج من الفئة (أ) للدراجات النارية، وصولاً إلى الفئة (ت) للجرارات. والهدف من هذا النظام الجديد واضح، هو تدريب السائقين وفق المعايير الدولية، وضمان قيادتهم فقط لأنواع المركبات المؤهلين لها.

النتائج تُترجم نجاح هذه الإجراءات بأرقام مُبهرة. فبحلول عام 2024، انخفض معدل الوفيات الناجمة عن حوادث المرور بنحو 78% مقارنةً بعام 2022، في تطوّر نوعي يُعدّ ثمرة حقيقية لجهود حكومة إقليم كوردستان في حماية أرواح مواطنيها.


طرق متطورة

في إطار دعم البنية التحتية للطرق وتعزيز القطاعات الحيوية، نفذت الحكومة حزمة واسعة من المشاريع الاستراتيجية لربط المدن والمحافظات، بهدف تسهيل حركة المواطنين والبضائع، وتقليل الحوادث المرورية، ودعم القطاعات التجارية والصناعية والسياحية.

وبحسب دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة إقليم كوردستان التي قدمت لمجلة «كوردستان بالعربي» جميع البيانات والأرقام، فإن المشاريع المنفذة شملت بناء وتأهيل الطرق والجسور خارج المدن، وبلغ إجمالي المشاريع المكتملة 718 مشروعاً بتكلفة إجمالية تجاوزت تريليون و30 مليار دينار، بينما وصلت الأطوال المنجزة إلى 2,681 كيلومتراً. أما عدد المشاريع تحت التنفيذ فبلغ 401 بتكلفة تقديرية قدرها 3.28 تريليون دينار وبأطوال تصل إلى 2,445 كيلومتراً.

ويصل المجموع الكلي للمشاريع، سواء المنجزة أو قيد التنفيذ، إلى 1,119 مشروعاً بتكلفة إجمالية بلغت 4.3 تريليون دينار، وبأطوال كلية قدرها 5,126 كيلومتراً من الطرق والجسور.

وتصدرت محافظة أربيل قائمة المشاريع المنفذة بـ271 مشروعاً وبتكلفة 2.2 تريليون دينار، حيث تم إنجاز طرق بطول 1,963 كيلومتراً. وفي محافظة السليمانية، أنجزت الحكومة 395 مشروعاً بقيمة 468 مليار دينار وبطول إجمالي بلغ 1,205 كيلومتراً.

أما في محافظة دهوك، فقد اكتملت 127 مشروعاً بتكلفة 986 مليار دينار، مع إنجاز طرق بطول 802 كيلومتر. وشهدت حلبجة تنفيذ 40 مشروعاً بقيمة 162 مليار دينار وبطول 190 كيلومتراً.

في إدارة سوران، تم إنجاز 102 مشروع بتكلفة 94.1 مليار دينار لطرق يبلغ طولها 562 كيلومتراً. بينما في گرميان نفذت الحكومة 69 مشروعاً بقيمة 227 مليار دينار وبطول 181 كيلومتراً.

وشملت الإنجازات أيضاً إدارة راپرين بـ97 مشروعاً وكلفة 87.2 مليار دينار لطرق بطول 159 كيلومتراً، فيما شهدت إدارة زاخو تنفيذ 13 مشروعاً بقيمة 60.1 مليار دينار وبطول 65 كيلومتراً.

وتمثل هذه المشاريع خطوة مهمة نحو تطوير شبكة النقل والمواصلات في البلاد، وتعزيز الترابط بين المحافظات، مما ينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية وجودة الحياة للمواطنين.


هندسة حركة السير

في إطار تنفيذ المشاريع التطويرية للبنية التحتية، تم إنشاء مئات الكيلومترات من الحواجز المعدنية وخطوط الطرق، ضمن جهود شاملة لتحسين هندسة حركة السير وتعزيز السلامة المرورية.

وتكشف الأرقام عن حجم العمل الهائل الذي تم إنجازه، إذ بلغ إجمالي تخطيط الشوارع والطرق 883 كيلومتراً، في حين تم تركيب 296 معبراً للمشاة لضمان سلامة المواطنين والحد من الحوادث المرورية.

وشملت الأعمال أيضاً إنشاء 59 جسراً ونفقاً لتسهيل حركة المرور وتقليل الازدحامات، إلى جانب تركيب 45 كيلومتراً من حواجز الطرق المعدنية لحماية مستخدمي الطريق.

وفي سياق تنظيم حركة المرور، تم تركيب 1,500 مطب لخفض السرعة في المناطق الحيوية والسكنية، بالإضافة إلى وضع 16 ألف علامة مرور لتوجيه السائقين وتنظيم الحركة على الطرق.

وبينما يواصل سوران محمود طريقه اليومي بأمان أكبر من أي وقتٍ مضى، تبقى طرق كوردستان شاهدة على أن التغيير الحقيقي ممكن عندما تلتقي الإرادة مع التخطيط السليم والتنفيذ الجاد.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved