في عالم تسيطر عليه التقاليد والمجالات التي يُنظر إليها غالباً على أنها ذكورية، تبرز قصص استثنائية تشق طريقها بقوة وعزيمة. قصص النساء اللواتي يتحدين الظروف، ويتجاوزن الحواجز اللغوية والثقافية والاجتماعية، ليحجزن لأنفسهن مكاناً في مجالات نادرة وصعبة، حيث تتقاطع المسؤولية مع الشغف، ويصبح النجاح ثمرة صبر وإصرار لا يعرف المستحيل.
ليست كل قصص النجاح وليدة ظروف مريحة، بل تُصنع أحياناً في قلب المعاناة. براء بدل، الشابة الإيزيدية العراقية ذات الثلاثين عاماً، مثال حي على ذلك. وُلدت في عائلة إيزيدية جذورها ممتدة بين شيخان من جهة والدها، وبعشيقة من جهة والدتها، لتكبر في بيئة تحمل في طياتها خصوصية الهوية وتنوعها. منذ بداياتها، كانت براء تضع أمامها هدف أن تكمل دراستها وتبني لنفسها مستقبلاً مشرفاً، لكنها اصطدمت بواقع أمني قاسٍ غيّر مسار حياتها تماماً. أجرت مجلة «كوردستان بالعربي» حديثاً خاصاً مع براء، التي شرحت مسيرتها قائلة: «في عام 2013 كنت طالبة أدرس إدارة الأعمال في جامعة الموصل، قبل أن تفرض الظروف الأمنية واقعاً آخر. دخول تنظيم داعش، عام 2014، إلى الموصل اضطرني إلى ترك مقاعد الدراسة قبل التخرج، لتُسدل الستارة على حلم أكاديمي كان قريب المنال. ومع تأزم الأوضاع أكثر في عام 2015، وجدت نفسي مع عائلتي وأنا في عمر الواحد والعشرين مضطرة لمغادرة كوردستان العراق، لننتقل أولاً إلى تركيا، ومنها إلى ألمانيا من خلال جهود إحدى المنظمات الإنسانية، وهناك بدأت مرحلة جديدة مليئة بالتحديات المختلفة تماماً عن تلك التي تركتها خلفي». اختيار مسار استثنائي وتتابع براء سرد قصتها وتقول إن وصولها إلى ألمانيا لم يكن انتقالاً جغرافياً فحسب، «بل كان انتقالاً ثقافياً ولغوياً واجتماعياً. كل شيء كان غريباً عليّ: اللغة، المجتمع، القوانين، وحتى إيقاع الحياة اليومي». لكن إصرارها على النهوض من جديد جعلها تخوض أول معركة حقيقية مع اللغة. «درست اللغة الألمانية، إلى أن وصلت إلى مستوى C1، وهو ما يعادل في النظام التعليمي الألماني شهادة الثانوية. هذه الخطوة لم تكن مجرد تعلم لغة جديدة، بل مفتاحاً لفرص لاحقة ما كانت لتتحقق لولا إصراري على إتقانها». وتكمل براء حديثها لمجلة «كوردستان بالعربي»: «بعد إتمام مستوى اللغة، قررت أن أخوض تجربة مختلفة تماماً، غير مألوفة بالنسبة للنساء في العراق أو حتى في أوروبا: قيادة القطارات. التحقت بمعهد دويتشه بان Deutsche Bahn لدراسة هذا التخصص، وهو برنامج يمتد عادة لثلاث سنوات، لكنني تمكنت بفضل عزيمتي وانضباطي من إكماله في سنة واحدة فقط بشكل مكثف ومن دون انقطاع، وهو إنجاز غير مألوف يعكس تصميمي الكبير». ورغم أن القبول في المعهد لم يكن متاحاً للجميع، إذ يُشترط أن يكون المتقدم حاصلاً على شهادة جامعية أو ما يعادلها. إلا أن «شهادة الثانوية والوثائق التي تثبت أنني كنت سابقاً طالبة إدارة أعمال ساعدتني على نيل هذا القبول الاستثنائي». وتضيف أن هذا الاختيار لم يكن سهلاً، «فقد كان مجالاً يعتبره الكثيرون ذكورياً، وكان يتطلب مني مواجهة تحديات كبيرة، سواء لغوياً أو تقنياً، أو حتى اجتماعياً». الحياة المهنية والتحديات اليومية تواصل براء سرد رحلتها وتقول إنها تعمل اليوم سائقة قطار في شركة «دويتشه بان»، وهي شركة خاصة تابعة للمعهد الذي درست فيه، وأعمل ضمن مقاطعة نورد راين، التي تشمل خطوطاً عدة بين مدن كبرى مثل دوسلدورف، وهام، وفيستفاليا، ودورتموند. «عملي ليس وظيفة تقليدية، بل مسؤولية كبيرة أحملها يومياً. كل يوم أقود قطاراً بسرعة تصل إلى 240 كيلومتراً في الساعة، وأكون مسؤولة عن حياة ما يقارب ألفين إلى ثلاثة آلاف راكب. إنه شعور عظيم يملؤني بالفخر، لكنه أيضاً يضعني أمام مسؤولية كبيرة». توضح براء أن المسؤولية لا تقتصر على القيادة فقط لأن الأعطال المفاجئة «تتطلب مني الحفاظ على هدوئي الكامل حتى وصول الفريق الفني لإصلاح الخلل، والحالات الصحية الطارئة بين الركاب تجعلني مطالبَة بطلب المساعدة الطبية الفورية والتعامل مع الموقف بحذر. فالمواقف السلبية تتطلب مني تركيزاً وهدوءاً كاملين، لأن كل ثانية قد تكون حاسمة لسلامة الركاب». المواقف الإنسانية والصعوبات الاجتماعية لا تخلو أي وظيفة من المواقف المبهجة أيضاً، تقول براء إن «الأطفال يعبرون عن إعجابهم بي أثناء القيادة، وغالباً ما يطلبون زيارة مقصورة القيادة لمشاهدتي عن قرب. كبار السن يثنون على قيادتي الهادئة التي تمنحهم شعوراً بالراحة والاطمئنان. هذه اللحظات تجعلني أشعر أن جهدي لم يذهب سدى، وأن وجودي في هذا المكان له قيمة حقيقية في حياة الناس». وتشير إلى أن الطريق لم يكن خالياً من الصعوبات الاجتماعية، بل «واجهت شكوكاً من بعض الأقارب والأصدقاء الذين اعتبروا أن المجال صعب ولن أستطيع الاستمرار فيه، خاصة وأن لغة السكك الحديدية ليست الألمانية فقط، بل منظومة خاصة مليئة بالاختصارات والمصطلحات الفنية المعقدة. لكن أي شخص يملك هدفاً واضحاً يمكنه بالإصرار أن يحققه مهما كانت التحديات»، مؤكدة أن «قيادة القطارات في نظر الكثيرين مهنة ذكورية، لكنني أرى الأمر بشكل مختلف، أرى أن أي امرأة تكون قادرة على تربية عائلة كاملة، فهي بالتأكيد قادرة على تحمل مسؤولية هذا العمل. النساء قادرات على التميز في أي مجال، مهما بدا صعباً أو غير مألوف». الطموحات المستقبلية والتمسك بالهوية ومع هذه الإنجازات، تقول براء، إنها، ورغم كونها حققت اليوم مكانة مهمة، لا تتوقف عن التفكير في المستقبل. «أطمح لأن أصبح أستاذة في علوم السكك الحديدية، سواء في أوروبا أو كوردستان أو العراق، كما أحمل حلماً آخر بالدخول إلى مجال الإعلام. هذه الأهداف ليست مستحيلة، بل امتداد طبيعي لطموحي الذي لم ينطفئ يوماً». وتختتم براء حديثها للمجلة بأنها، وبالرغم من سنوات الغربة والاندماج في مجتمع جديد، ما زالت متمسكة بهويتها الأصيلة. «أنا كوردية إيزيدية من العراق، أفتخر بعراقيتي وكورديتي وأصلي الإيزيدي، ولن أستغني عن أي منها، قصتي ليست مجرد نجاح شخصي، بل رسالة لكل امرأة كوردية أو عربية، ولكل امرأة إيزيدية بشكل خاص: اعتمدي على نفسك، وواصلي تطوير مهاراتك ودراستك، الأمل والعمل الجاد هما طريق النجاح».


