بين جبال كوردستان الشامخة ووديانها الساحرة، يبرز الطيران الشراعي كأحد أبرز أنشطة سياحة المغامرة في المنطقة. هذه الرياضة تجمع بين المغامرة والهدوء النفسي، وتعتمد على جناح خفيف وصوت الرياح بعيداً عن المحركات والوقود، مما يجعلها نشاطاً صديقاً للبيئة ومصدراً للراحة النفسية.
الشابة الكوردية سوز حسن (28 عاماً) الحاصلة على شهادة في التمريض، ترى أن الطيران الشراعي «أبسط الطرق للوصول إلى السماء»، مؤكدة في مقابلة مع «كوردستان بالعربي»، أنها رياضة «آمنة نسبياً عند الالتزام بالتدريب واحترام الظروف الجوية. وفي رأيي، هذه الرياضة ليست مجرد مغامرة، بل تجربة وجودية تمنح الطيار شعوراً بالتحرر والانسجام مع الطبيعة».

جذور عالمية وتجربة محلية
تعود بدايات الطيران الشراعي إلى عشرينات القرن الماضي في ألمانيا، حيث أقيمت أول بطولة عالمية عام 1920 على جبل واسيركوب، ثم عُرضت الرياضة كاستعراض أولمبي في برلين عام 1936. ومع تطور تقنيات الطيران بعد الحرب العالمية الثانية، تحولت إلى رياضة تنافسية عالمية، تنتشر اليوم في أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا، وتقام لها بطولات رسمية كل عامين إلى جانب الفعاليات المحلية والترفيهية.
وفي كوردستان، أطلقت مدرسة «سيامند للطيران الشراعي» التابعة لنادي الطيران في السليمانية عام 2025 أولى دوراتها التدريبية للمبتدئين، لتؤسس لمسار أكاديمي يجمع بين النظرية والتطبيق العملي تحت إشراف مدربين مؤهلين. في هذه الدورة، تدرّبت سوز حسن، التي شاركت، بعد مرحلة تعليمية مؤهلة، وتجارب طيران عديدة، في معظم مواقع الطيران داخل كوردستان، إضافة إلى رحلات خارجية مثل موقع «فلابي لاند» في إيران، ما أضفى بعداً إقليمياً على تجربتها وأكسبها خبرة واسعة في بيئات متنوعة. كما شاركت سوز في بطولتين محليتين عراقيتين عام 2025، وحصدت المركزين الأول والثاني على مستوى الفتيات، لتؤكد أن الرياضة ساحة تنافسية جادة وليست مجرد نشاط ترفيهي.
الصور: سفين حميد
فلسفة حياة وميدان تنافسي
بالنسبة لسوز، يتجاوز الطيران الشراعي كونَه رياضة ليصبح فلسفة حياة. تقول: «في السماء يصمت كل شيء، تسمع صوت الطيور وتشعر بأنك جزء من الطبيعة، إنه نوع من التأمل والابتعاد عن صخب الحياة». ورغم كونها رياضة مغامرة، ترى سوز أن «الخطر الحقيقي يكمن في قرارات الطيار وليس في غير ذلك.. فالمناورة خارج حدود الخبرة أو مواجهة الطقس القوي هما السبب في معظم الحوادث».
جسور للتواصل الثقافي
توضح سوز أن هذه الرياضة تتطلب شخصية نشطة، شغوفة، تتمتع بصحة جسدية ونفسية جيدة، ولا تعاني من أمراض مزمنة أو رهاب المرتفعات. وتشير إلى أن كثيرين يتغلبون على مخاوفهم أثناء الطيران، لأن الإحساس يكون بالصعود لا بالسقوط. كما أن الطيران الشراعي ساعدها على تكوين صداقات مع طيارين من داخل العراق وخارجه، مما يعزز الطابع السياحي والاجتماعي لهذه الرياضة ويجعلها وسيلة للتقارب الثقافي بين الشعوب.
هذا البعد الإنساني، حسب سوز، يضيف قيمة جديدة للطيران الشراعي، إذ يتحول من مجرد نشاط رياضي إلى جسر للتواصل بين الثقافات وتجربة مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية.