نجفي يطاوع الحديد ويطمح للعالمية
حسين جنكير - May 13, 2026

من الخردة

في عام 2018، وبين أزقة مدينة النجف، بدأ الشاب حسين داوود (مواليد 1995) رحلة غير مألوفة في الفن التشكيلي. لم تكن أدواته ألواناً أو فرشاً، بل خردة معدنية مهملة: براغٍ صغيرة، وقطع معدنية مختلفة الأشكال يلتقطها من مكبات النفايات. منها صاغ أولى مجسماته، بعدما اطلع على أساسيات التصميم من صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الفنية.

سرعان ما تحولت المحاولات البسيطة لحسين إلى شغف أدى إلى ظهور أعمال فنية، أولها كان تنيناً استوحى فكرته من مسلسل Game of Thrones، وصنعه من باب سيارة قديمة ومسامير. ثم توالت أعماله: أسد، وقط، ورأس ثور، ورأس ذئب، صنعها من إطارات السيارات والخردة المعدنية. لكن التحدي الأكبر كان حصاناً بطول مترين، أي حوالي ضعف الحجم الطبيعي للحصان. واستغرق إنجازه سنتين ونصف السنة، وكان محطة فارقة في مسيرته.

الصور: سجاد جميل

برنامجه اليومي

يعمل داوود يومياً بين خمس إلى ثماني ساعات، مستخدماً أدوات أساسية مثل مكائن اللحام والكوسرة. لكن انقطاع الكهرباء المستمر في مدينته يمثل أكبر عائق أمامه، إذ يعتمد عمله على معدات كهربائية لقطع المعادن ولحامها كما أن نقل أعماله الضخمة، التي يصل وزن بعضها إلى 600 كيلوغرام، يمثل تحدياً مالياً ولوجستياً، فيحتاج إلى شاحنات أو عربات صغيرة لنقلها.

وفي مقابلة مع «كوردستان بالعربي»، يقول داوود: «كلما كبر حجم العمل، برز فيه التصميم بشكل أوضح، لكن ذلك يعني أيضاً صعوبات أكبر في النقل والمشاركة بالمعارض». بالفعل، تعذر عليه المشاركة في معارض خارج النجف بسبب ضخامة أعماله وتكلفة السفر والنقل.


رسالة الفن والبيئة

لا يرى داوود أن أعماله مجرد فن بصري، بل رسالة بيئية. فهو يعيد تدوير ما يُلقى في مكبات الخردة ليمنحه قيمة جديدة، ويحول الإطارات التي تُحرق عادةً وتسبب تلوثاً إلى منحوتات فنية. يقول: «هذه الأعمال صديقة للبيئة، لأنها تمنع التلوث وتحوّل المواد التالفة إلى جمال».

يحلم داوود بدخول موسوعة غينيس للأرقام القياسية عبر أعمال عملاقة، ويعمل حالياً على تصميمات ضخمة في محافظات عدة، منها يد معدنية بحجم مترين في الديوانية، وثور معدني في الأنبار. كما يسعى للتواصل مع حكومة إقليم كوردستان لإقامة نصب للتعايش السلمي، مؤكداً أن الفن يمكن أن يكون جسراً بين المكونات العراقية.

دعم شعبي وإهمال رسمي

ويوضح داوود تفاصيل عمله قائلاً: «يبدأ كل مشروع لدي  برسم على الورق، ثم تصميم داخل إطار من قضبان الحديد لتحديد الشكل، ثم توزع الخردة على الإطار، وإبراز القطع المميزة مثل أجزاء المحركات أو قطع السيارات في أماكن بارزة لإضفاء جمالية خاصة عليها».

ويواصل حديثه عن دور التكنولوجيا في عمله، ويقول: «اليوم تُستخدم تقنيات حديثة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد والداتاشو لتحديد القياسات بدقة في الأعمال الكبيرة».

ويؤكد حسين أن أعماله «أصبحت مصدر رزق له، إذ أبيع التصاميم بأسعار لا تقل عن مليون دينار عراقي للعمل الواحد، نظراً للوقت والمواد التي تتطلبها».

وعن الدعم الذي يتلقاه، يوضح داوود أن الدعم من الناس معنوي بالدرجة الأولى، إذ يشجعونه على الاستمرار، وأحياناً يزودونه بالخردة، بينما الدعم الحكومي شبه معدوم.

ورداً على من يصف عمله بأنه «مجرد جمع خردة»، يقول داوود بثقة: «بهذه الخردة صنعت مجسمات بأحجام وألوان وأفكار مختلفة، ونلت شهرة واسعة. لقد صنعت شيئاً من لا شيء».


طاقة إبداعية

الفنان سعد صالح، مدير مؤسسة رواق الثقافة والفن في محافظة النجف، يرى أن تجربة داوود «تمزج بين الحس الجمالي والرسالة البيئية، وتفتح باباً واسعاً أمام فن عراقي معاصر يخاطب العالم بلغة الحديد والإبداع». أما الدكتور صلاح كريم عنوز من جامعة الكوفة، فيقول: «حسين داوود تجاوز معاناته عبر الفن، وحوّل الجوانب السلبية إلى طاقة إبداعية. إنه مثال على أن الإصرار والوعي بالذات يمكن أن يحوّلا الخردة إلى انتصار».

تجربة داوود تمثل خطاً متميزاً في الفن العراقي، وتستحق الدعم والتشجيع، لأنها تجمع بين الإبداع وحماية البيئة، وتفتح نافذة أمل لشباب يبحثون عن طريقهم وسط الصعوبات. وفي زمن تتراكم فيه الأزمات، يثبت هذا الفنان أن الجمال يمكن أن يولد من الخردة، وأن الإصرار يحوّل المعاناة إلى انتصار.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved