ميراث الحروب كوردستان تطهر 65% من حقول الألغام

تفادياً لمخاطرها على حياة المواطنين، وزيادةً لنسبة الأراضي المزروعة، وإنعاشاً لقطاع السياحة، خطا إقليم كوردستان خطوات كبيرة في سبيل التخلص من «ميراث الحروب» المتمثل بالألغام. ووفق الأرقام الواردة من الجهات الرسمية، تم القضاء على أكثر من 381 ألف لغم ومخلّف حربي، وبموجب ذلك طُهِّرت نحو 65% من الأراضي الملوثة.


خدمةً للإنسانية

مع بزوغ الفجر، يستيقظ رزگار علي عبد الله في منزله البسيط المطل على تلال ومرتفعات تعكس جمال قمة جبل هلگورد الموشحة بثلوج الشتاء، يرتدي دروعه وخوذته الواقية، ويودّع أبناءه بقبلات حارة تشبه وداعاً أخيراً. بعد التوكل على الله، يمضي إلى معركته المتواصلة مع الألغام منذ ما يقارب أربعة عقود، قائلاً: «نخوض معركة صعبة ضد عدوٍّ ما زال يحصد أرواح السياح وأبناء البلد الأبرياء».

عبد الله، من مواليد 1977، يسكن قضاء چومان قرب الحدود العراقية - الإيرانية (على بعد 25 كيلومتراً)، وهي منطقة جبلية تضم جبل هلگورد الذي يبلغ ارتفاعه 3607 أمتار ضمن سلسلة جبال حصاروست. ويقول، في حديثه لمجلة «كوردستان بالعربي» إن هذه المهنة ليست لكل شخص، بسبب الرعب الكامن في حقول الألغام، مضيفاً: «في كثير من الأحيان لا يفصلنا عن الموت سوى ثوانٍ».

ويؤكد أن العامل في قطاع إزالة الألغام يخرج من بيته مطمئناً، «لكنه لا يملك ضماناً بالعودة... لقد فقدت خلال مسيرتي أصدقاء عمل كنا أكلنا وشربنا معاً، وتعرض كثيرون لإصابات وإعاقات، لكننا نواصل المسيرة خدمةً للإنسانية».

وخلال 38 عاماً من العمل، جاب عبد الله معظم جبال ووديان منطقته، مرتدياً معدات الحماية ومعتمداً على الأجهزة التقنية في الكشف عن الألغام، غير آبه بحرارة الصيف أو برد الشتاء، فضلاً عن مخاطر السقوط من المرتفعات أو مواجهة الحيوانات البرية المفترسة.

ويقع قضاء چومان ضمن منطقة بالَكايَتي المعروفة بطبيعتها الخلابة ومصايفها وشلالاتها، وقد أسهمت جهود إزالة الألغام في تحويلها إلى مقصد سياحي. 

ويتذكر عبد الله كيف حوّلت الألغام المزروعة على طول الشريط الحدودي منذ ثمانينات القرن الماضي المنطقة إلى «جزيرة أشباح» هجَرها السياح وعجز المزارعون عن حراثة أراضيهم. لذا، فإنه يطالب الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان ببذل جهود أكبر لدعم العاملين في قطاع الألغام، معتبراً أنهم «ضحايا لم يُنصفوا».


أعداد كبيرة من الضحايا

وفقاً لبيانات دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS)، يتعرض نحو 100 مليون شخص حول العالم لخطر الألغام والمتفجرات.

ويُعد العراق من أكثر الدول تلوثاً بها، إذ تبلغ مساحة الأراضي الملوثة نحو 2733 كيلومتراً مربعاً، منها 26% أراضٍ زراعية، و20% بنى تحتية، و19% طرق، فيما يمنع 22% من التلوث الوصول إلى مصادر للمياه. وقد خلّفت الألغام ومخلّفات الحروب أكثر من 35 ألفاً و500 ضحية، بحسب دائرة شؤون الألغام في وزارة البيئة العراقية.

وتشير إحصاءات وزارة البيئة إلى وجود نحو 25 مليون لغم منتشر في أربعة آلاف حقل، إضافة إلى أكثر من 25 مليون مخلّف حربي وقنبلة غير منفلقة. بينما تقدّر الأمم المتحدة العدد بنحو 20 مليون لغم وأكثر من مليونين و660 ألف قنبلة غير منفلقة، يعمل العراق على إزالتها وفق الاتفاقيات الدولية (أوتاوا، أوسلو، CCW)، لا سيما اتفاقية أوتاوا التي منحت العراق مهلة حتى نهاية عام 2028.

أما في إقليم كوردستان، فيوضح علي ميران، المدير العام للشؤون الفنية في المؤسسة العامة لشؤون الألغام، في حديث مع «كوردستان بالعربي»، أن المسح الشامل المنجز بين عامي 2004 و2006 (ILIS) أظهر وجود 776 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الملوثة في محافظات الإقليم، تم تطهير 559 كيلومتراً مربعاً منها، فيما تبقى نحو 210 كيلومترات مربعة.

وأكد ميران أن الإقليم أزال نحو 72% من الألغام والمخلّفات الحربية، مع استمرار الجهود لتطهير ما تبقى.

وتسببت الألغام المزروعة في كوردستان، سواء المضادة للأفراد أو للدروع، في وقوع 13 ألفاً و610 ضحايا بين قتيل وجريح، بينهم 49 من العاملين في إزالة الألغام.


تطهير 65% من المساحة الملوثة

تمتد جذور مشكلة الألغام في العراق وكوردستان لأكثر من نصف قرن، نتيجة النزاعات والحروب المتعاقبة، وكانت حصة محافظات الإقليم (أربيل، والسليمانية، ودهوك، وحلبجة) منها كبيرة، إضافة إلى محافظات جنوبية مثل البصرة والمثنى وذي قار. وتقدّر منظمة الصليب الأحمر الدولي المساحة المزروعة بالألغام بنحو 300 ألف ملعب كرة قدم.

ويؤكد جبار مصطفى، رئيس المؤسسة العامة لشؤون الألغام، في تصريح لـ«كوردستان بالعربي»، تطهير ما نسبته بين 60% و65% من المساحات الملوثة في الإقليم، مع الطموح لإنجاز التطهير الكامل خلال السنوات المقبلة.


إجمالي المناطق المطهرة من الألغام

وخلال عام 2025، بلغت المساحة الإجمالية التي جرى تطهيرها أكثر من مليونين و716 ألفاً و250 متراً مربعاً، ضمن 53 حقلاً (38 حقل ألغام و15 أرض معركة)، أُزيل خلالها 2997 لغماً مضاداً للأفراد والدروع، و26 ألفاً و42 مخلّفاً حربياً بينها 40 عبوة ناسفة.

وتوزعت المساحات المطهرة على أربيل (بـ800 ألف و795 متراً مربعاً)، والسليمانية (بـ449 ألفاً و176 متراً مربعاً)، ودهوك (بـ315 ألفاً و423 متراً مربعاً)، وحلبجة (بـ137 ألفاً و882 متراً مربعاً)، فضلاً عن إدارة گرميان (بـ358 ألفاً و964 متراً مربعاً).

وقد أسهمت إزالة الألغام في توسيع الرقعة القابلة للاستثمار الزراعي والسياحي، ما انعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وزيادة أعداد السياح.

وسجل الإقليم خلال العام الماضي 18 حادثة ناجمة عن الألغام والمتفجرات، أسفرت عن 29 ضحية (17 قتيلاً و12 جريحاً)، مقارنة بـ11 حادثة في العام الذي سبقه.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved