يواجه العراق تحديات متشابكة على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والبيئية، غير أن أزمة الجفاف وشحّ المياه باتت من أخطر التحديات التي تهدد بنية المجتمع واستقراره. فقد أثّرت الأزمة بشكل مباشر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وألقت بظلالها الثقيلة على فئات بعينها، في مقدمتها النساء، لا سيما في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل رئيسي على الزراعة وتربية المواشي.

تراجعت مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات بصورة مقلقة خلال السنوات الأخيرة. وذلك نتيجة عوامل عدة، أبرزها التغيرات المناخية، وقلة الإطلاقات المائية من دول المنبع، إلى جانب ضعف الإدارة الداخلية للموارد المائية. وانعكس هذا الواقع بوضوح على القطاع الزراعي الذي يشكّل مصدر رزق أساسياً لملايين العراقيين، فقلّت المحاصيل، وجفّت الأراضي، وتفاقمت معدلات البطالة والفقر، ما دفع كثيراً من العائلات إلى الهجرة من الريف إلى المدن، بحثاً عن فرص بديلة للعيش.
أم عباس… حكاية نزوح بسبب العطش
في محافظة الديوانية بجنوب العراق، كانت أم عباس (55 عاماً) تعيش حياة بسيطة لكنها مستقرة نسبياً. هي أم لخمس بنات، وكانت تعتمد مع أسرتها على الزراعة وتربية الدواجن. أدارت مزرعتها الصغيرة بنفسها، وساهمت في إعالة أسرتها، وكانت تشعر بالفخر لقدرتها على الإنتاج والمشاركة في تأمين دخل العائلة.
لكن مع تفاقم أزمة المياه، بدأت محاصيلها بالتراجع عاماً بعد آخر. جفّت الأرض التي كانت تمنحها القمح والخضروات، ونفقت أعداد من الدواجن بسبب نقص المياه وارتفاع درجات الحرارة. ومع ازدياد الخسائر، وجدت أم عباس نفسها أمام خيارين: البقاء في أرض لم تعد تعطي، أو الرحيل نحو المجهول.
اضطرت العائلة العام الماضي إلى الهجرة نحو محافظة كربلاء في وسط البلاد. هناك، واجهت تحديات جديدة؛ ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على عمل، وضغوط اجتماعية لم تألفها في بيئتها الريفية. تقول أم عباس عن هذه التحديات إن الانتقال من حياة تعتمد على الاكتفاء الذاتي إلى حياة الإيجار والعمل اليومي كان صادماً، خصوصاً لبناتها اللواتي اضطرت بعضهن إلى ترك الدراسة للمساعدة في إعالة الأسرة.
المرأة الريفية.. المتضرر الأكبر
تعد منظمة الأمم المتحدة العراق خامس أكثر بلدان العالم تأثراً بالتغييرات المناخية وقد تضرر نحو 70% من أراضيه بجفاف المناخ. أما رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان فاضل الغراوي، فيؤكد أن تقرير من منظمة الهجرة الدولية يشير إلى أن أكثر من 172,000 شخصاً في العراق ظلّوا نازحين بسبب عوامل مناخية حتى مارس 2025، نتيجة الجفاف وفقدان سبل العيش في المناطق الريفية.
وفي هذا السياق، يؤكد خبير المياه تحسين الموسوي، في حديث لمجلة «كوردستان بالعربي»، أن النساء الريفيات هن الأكثر تضرراً من أزمة المياه، لأنهن يشكّلن العمود الفقري للأنشطة الزراعية والأسرية في الريف. فالمرأة لم تعد فقط ربة منزل، بل أصبحت تدير الحقول، وتشرف على تربية الدواجن والمواشي، وتشارك بفعالية في دعم الاقتصاد الأسري.
ويشير الموسوي إلى أن موجات الهجرة التي بدأت في مناطق الوسط والجنوب امتدت اليوم إلى معظم المحافظات، نتيجة فقدان الاستقرار المائي وتراجع الإنتاج الزراعي. وهذا النزوح لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل ترافقت معه آثار اجتماعية مقلقة، منها ارتفاع معدلات الطلاق، وزيادة حالات الزواج المبكر، وتفاقم الضغوط النفسية على النساء وكبار السن والأطفال، في ظل بيئة حضرية لا توفر دائماً بدائل اقتصادية كافية.
من ميسان.. قصة أم زهراء
وفي مدينة العمارة مركز محافظة ميسان، تروي أم زهراء (42 عاماً) قصة مشابهة. كانت تعيش قرب الأهوار، حيث يعتمد السكان على صيد الأسماك وتربية الجواميس، وتشكّل المياه مصدر الحياة والهوية معاً. لكن مع تراجع مناسيب المياه وجفاف أجزاء واسعة من الأهوار، نفقت أعداد من الجواميس، وتقلّصت الثروة السمكية بشكل حاد.
تقول أم زهراء إن أكثر ما يؤلمها لم يكن فقدان الدخل فقط، بل فقدان نمط الحياة الذي ورثته عن أجدادها. اضطرت الأسرة إلى بيع ما تبقى من مواشيها والانتقال في عام 2024 إلى أطراف المدينة. هناك، عمل زوجها بأجر يومي، بينما بدأت هي بخياطة الملابس في المنزل لتأمين دخل إضافي، محاولةً التكيّف مع واقع اقتصادي صعب ومسؤوليات متزايدة.
وتضيف أم زهراء أن الانتقال من بيئة الأهوار إلى أطراف المدينة لم يكن سهلاً، إذ تغيّرت طبيعة العلاقات الاجتماعية، وازدادت الضغوط المعيشية، ما جعلها تشعر بثقل المسؤولية أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع فرص العمل المستقرة.
المخاوف الحقيقية.. أزمة مستمرة
الحكومة العراقية أقرت بأن مخاطر شح المياه لا تزال قائمة. فقد صرّح مستشار رئيس الوزراء لشؤون المياه، طورهان المفتي، لمجلة «كوردستان بالعربي» أن الأزمة مستمرة رغم تحسن معدلات هطول الأمطار في بعض المواسم، مؤكداً أن العراق لا يزال بحاجة إلى كميات أكبر من المياه لضمان أمنه المائي.
وأشار إلى أهمية تعزيز ثقافة الترشيد والاستخدام الأمثل للمياه، فضلاً عن استمرار المباحثات مع الجانب التركي بشأن ملف تقاسم المياه، بانتظار استكمال التفاهمات الرسمية التي تضمن حقوق العراق المائية.

مخاطر صحية متفاقمة
من جانبه، يحذر طبيب الأسرة علي أبو طحين من التداعيات الصحية الخطيرة للجفاف والتغيرات المناخية. فالماء عنصر أساسي للحياة، وعندما تتردى نوعيته أو تقل كميته، تظهر أمراض عدة مثل الإسهال، والكوليرا، والتيفوئيد، والتسمم الغذائي. كما يؤدي شح المياه إلى انتشار الأمراض الجلدية والحساسية بسبب ضعف النظافة وارتفاع أعداد الحشرات.
ويضيف أبو طحين أن موجات الحر المتزايدة والعواصف الغبارية ترفع معدلات الإصابة بضربات الشمس والإجهاد الحراري، فضلاً عن تأثيراتها على الصحة النفسية والمزاج العام، خصوصاً لدى النساء اللواتي يتحملن أعباء إضافية في تأمين احتياجات الأسرة اليومية.
أزمة المياه في العراق لم تعد مجرد مسألة بيئية عابرة، بل تحولت إلى تحدٍ تنموي واجتماعي يمسّ صميم الاستقرار المجتمعي. وبينما تتواصل الجهود الرسمية لمعالجة الملف، تبقى النساء، ولا سيما في الريف، في الخط الأمامي للمواجهة، يدفعن الثمن الأكبر من صحتهن واستقرارهن ومستقبل أسرهن. إن معالجة الأزمة تتطلب رؤية شاملة تجمع بين الإدارة الرشيدة للموارد، والدعم الاجتماعي للفئات المتضررة، وتمكين النساء اقتصادياً لمواجهة آثار التغير المناخي المتسارعة وضمان حياة كريمة للأجيال القادمة.