«وباء صامت» يهدد نصف مليون أسرة
شنو الداودي - June 06, 2026

«بعد أن طويت صفحة زواجي، عدتُ إلى بيت أهلي، لا كابنة مدللة، بل كأم تحاول أن تلملم شتات حياتها. عدتُ ولم أكن أملك مفتاح الباب الأمامي». بهذه الكلمات تختصر ليلى أحمد (34 عاماً) من كركوك رحلتها بعد الطلاق. استبدلت مملكتها الخاصة بغرفة مشتركة، وتحولت قراراتها الحرة إلى همسات استئذان في مطبخ والدتها. تقول: «كل صباح أرتدي قناع القوة أمام طفليّ، لكني في داخلي كنت أتوق إلى أبسط حقوقي، البكاء مثلاً، وإغلاق باب لا يملكه أحد سواي. الصعوبة لا تكمن في توفير لقمة العيش فقط، بل في التكيف والعيش كابنة هذا البيت من جديد مع طفلين».

الصور: عمر كريم

ملف تفكك أسري جديد كل 7 دقائق

قصة ليلى ليست استثناءً؛ فالعراق يسجّل نحو 199 حالة طلاق يومياً، ما يعني أن ملف التفكك الأسري يُفتح تقريباً كل سبع دقائق. ووفقاً لآخر إحصائية صادرة عن مجلس القضاء الأعلى لعام 2025، سُجّلت 71,528 حالة طلاق في عموم البلاد خلال عام واحد، مقابل أكثر من 300 ألف عقد زواج، أي أن كل حالة طلاق تقابلها تقريباً أربع إلى خمس زيجات.

وتصدّرت بغداد (الرصافة ثم الكرخ) بنسبة 30.2%، ثم البصرة (29.7%)، فالقادسية (28.9%)، وميسان (26.2%)، وكربلاء (24.1%) في ترتيب حالات الطلاق.

الشرطة المجتمعية

في الجانب الميداني، تؤكد الشرطة المجتمعية أن دورها لا يقتصر على التدخل بعد وقوع المشكلة، بل يشمل برامج توعوية في المدارس والجامعات، وحملات للحدّ من العنف الأسري، ونشر ثقافة الحوار داخل الأسرة للوقاية من الطلاق قبل حدوثه.

ويتحول التدخل من صلح مجتمعي إلى إجراء قانوني رسمي عند فشل الوساطة أو وجود عنف شديد أو تهديد مباشر، حيث تُحال القضية إلى الجهات القضائية المختصة حفاظاً على السلامة. ويمكن للأسر التواصل بسرية عبر الخط الساخن المجاني (497) أو الرقم (911) للحالات الطارئة، إضافة إلى المراجعة المباشرة لمكاتب الشرطة المجتمعية. ومن أبرز التحديات، التي تواجه بعض الحالات هي العادات الاجتماعية التي تمنع التبليغ، والخوف من الفضيحة، والضغوط الاقتصادية، وتعاطي المخدرات.


هل المشكلة  في القانون أم في التطبيق؟

يرى المحامي عمر قحطان أن «وضع كركوك يجمع بين خصوصية محلية وأسباب عامة. فالتنوع القومي والديني واختلاف العادات الأسرية، إلى جانب التحولات الاقتصادية وعدم الاستقرار الوظيفي وموجات النزوح السابقة، خلقت ضغوطاً إضافية على الاستقرار العائلي، وعلى المستوى العام. كما أنه  يشير إلى ضعف الثقافة الزوجية قبل الزواج، وتدخل العائلة الموسعة، واستخدام الطلاق كحل سريع بدلاً من المعالجة».

بعد مناقشة جرت بيني وبينه حول قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 (وتعديلاته) في تسهيل الانفصال بدلاً من احتوائه! كان رأيه يتمحور حول أن «المشكلة لا تكمن في وجود قانون الأحوال الشخصية بحد ذاته، بل في ضعف تطبيقه، وعدم تفعيل الوساطة الأسرية بشكل جدي، وبطء إجراءات النفقة والسكن بعد الطلاق»، مشدداً على أن «الحل يجب أن يعزز الصلح الإلزامي وينظم الحضانة والنفقة بشكل أكثر عدالة».

الآثار النفسية والاجتماعية

من جانبها، تؤكد سحر الزيدي، الباحثة في خدمات الصحة النفسية أن «المطلقة في المجتمع العراقي غالباً ما تواجه وصمة اجتماعية تهز ثقتها بنفسها وتفقدها الإحساس بالأمان، فضلاً عن ضغوط العودة إلى بيت الأهل والشعور بعدم الانتماء. وقد تتحول الصدمة العاطفية إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق، وهذا القلق يمتد أثره إلى الأطفال الذين قد يعانون فقدان الأمان أو تراجعاً دراسياً، أو سلوكاً عدوانياً أو انطوائياً، مؤكدة أن طريقة إدارة الطلاق هي ما يحدد حجم الأضرار». 

ويرى الحقوقي علي المولى أن «غياب المسكن المستقل يمثل أحد أبرز أسباب النزاعات، إذ تبدأ الحياة الزوجية داخل بيت أهل الزوج، مما يولد احتكاكات بسبب اختلاف البيئات. ومع صعوبة توفير سكن مستقل في ظل الظروف الاقتصادية، تتفاقم الخلافات وصولاً إلى الطلاق. بالإضافة إلى وجود منصات التواصل الاجتماعي وتنوع الكماليات في الحياة من أزياء ومطاعم ومولات وسفر وغيرها، يحاول الزوجان تقليد هؤلاء من دون مقارنة دخل الزوج مع متطلبات هذه الكماليات بالنتيجة تؤدي إلى الطلاق».


 تشخيص ديني لأسباب الطلاق 

أما من الناحية الدينية فيؤكد الشيخ الدكتور سامال جبار البازياني أن «الدين لا يبرر الطلاق المتزايد بل يدين أسبابه، محدداً مكامن الخلل في عدة مستويات متداخلة، منها:1. الخلل في الوعي الديني، الذي يختزل الدين في طقوس مع غياب فقه الأسرة.2. الخلل في مرحلة الاختيار والتأسيس، حيث يتم الزواج أحياناً بدافع الضغط الاجتماعي لا القناعة، مع تغليب المظاهر على جوهر الخلق والدين، وغياب التأهيل المسبق، وكأن الأسرة تُدار بالارتجال.

3. الخلل الأخلاقي والقيمي المتمثل في ضعف الصبر، وانعدام ثقافة الاحتواء، وتضخم الأنا، ورفض التنازل المتبادل، فضلاً عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في رفع سقف التوقعات الوهمية.

4. وأخيراً، الخلل الاجتماعي والاقتصادي الذي يشمل الضغوط المعيشية، والبطالة، وتدخل الأهل المفرط، مما يحول الخلافات البسيطة إلى صراع كرامة ونفوذ.


أمام هذا التشخيص العميق للخلل في الوعي والقيم، يتبادر في الأذهان سؤال: كيف يمكن تحويل هذه الرؤى إلى خطوات عملية على أرض الواقع؟ خطوات تبني الأسرة على أساس متين قبل أن تبدأ رحلتها. ومن هنا نجد نقطة الالتقاء مع رؤية الحقوقي علي المولى الذي يرى أن المواجهة لا تبدأ في المحاكم، بل قبل ذلك بكثير، إذ يقترح «أن يكون هناك دور محوري لمنظمات المجتمع المدني من خلال فتح دورات إلزامية للمقبلين على الزواج على أن لا تكون هذه الدورات مجرد إجراء شكلي، بل برامج تأهيل شاملة تفهم الزوجين المصاعب التي قد تواجههما بعد الزواج وكيفية التصدي لها بأدوات عملية مثل التواصل الفعال وإدارة النزاعات، لأن الاستثمار في وعي الزوجين قبل الزواج هو خط الدفاع الأول لحماية الأسرة من الانهيار لاحقاً».

وبعد ملاحظة الأرقام المتصاعدة لحالات الطلاق في العراق، ندرك أنها ليست مجرد إحصائيات جافة، بل هي صرخة استغاثة تنطلق من قلب المجتمع. فخلف كل رقم هناك «ليلى» تحاول استعادة هويتها، واستقرارها وأمنها النفسي، وأطفال يواجهون مستقبلاً مربكاً. فالحل لا يكمن فقط في تعديل القوانين أو تفعيل الوساطة، بل في ثورة وعي تبدأ من تأهيل المقبلين على الزواج، وإعادة الاعتبار لقيم الصبر والاحتواء، بعيداً عن بريق المقارنات الزائفة على منصات التواصل الاجتماعي.


X
Copyright ©2024 kurdistanbilarabi.com. All rights reserved